إقرأ المزيد


​فتح المعابر مقابل أمن (إسرائيل)

أحمد الحيلة


نجا المدير العام لقوى الأمن الداخلي في غزة اللواء توفيق أبو نعيم من محاولة اغتيال عبر تفجير سيارته الجمعة (قبل) الماضية (27/10)، في حادثة أمنية هي الأولى من نوعها في عهد ما بعد إنهاء الانقسام بين حركتي "فتح" و"حماس".

وفي أقل من أسبوع من عمر الحادثة الأولى في (30/10) قامت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بقصف نفق شرق خانيونس، أودى بحياة 12 شهيدًا ونحو 10 جرحى من شباب المقاومة الفلسطينية.

الحادثتان المذكورتان ترسمان ملامح مرحلة جديدة لقطاع غزة عنوانها الأمن أولا وأخيرا؛ ففي الوقت الذي يتم فيه تصفية قيادات من الشرطة والمقاومة المحسوبة على حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي، تقوم سلطة الرئيس محمود عباس باستلام معبري رفح وكرم أبو سالم من حركة "حماس"؛ تنفيذا لما ورد في اتفاق المصالحة الأخير تحت شعار: قانون واحد وسلطة واحدة وسلاح واحد، دون البدء بأية خطوات عملية ملموسة على صعيد البنود الأخرى المتعلقة بتقديم الخدمات المدنية للشعب الفلسطيني!

الاحتلال الإسرائيلي اختار توقيتا مهما لعملياته الأمنية، تزامَنَ مع خطوة فتح المعابر لخلق معادلة جديدة مفادها: أمن (إسرائيل) مقابل فتح المعابر، وذلك بِلَجْم وتحييد قوة سلاح المقاومة بقوة ضغط الرأي العام الفلسطيني، المتطلّع إلى فك الحصار أو التخفيف من حدته. هذه السياسة وبتنسيق بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية ومصر، مرشحة للاستمرار بمزيد من الضغط على "حماس" لتقديمها المزيد من التنازلات بين يدي كل خطوة من شأنها تخفيف الحصار، وإلا فالمقاومة متهمة بتعطيل مصالح الناس، ما سيجعل من سلاحها لاحقا عبئا على غزة.

هذا السياق يُفسّر سبب صمت المقاومة وحركة "حماس" التي مارست ضغوطا على حركة الجهاد الإسلامي، برعاية مصرية للعدول عن أي رد محتمل على العدوان الإسرائيلي الأخير، حرصا على إتمام خطوة فتح المعابر وعدم استفزاز الرأي العام الفلسطيني، وهو الأمر المرشّح تكراراه لاحقا بخطوات إسرائيلية مشابهة ومدروسة. هذا الواقع يُظهر مسألتين على درجة من الخطورة وهما:

أولا: خطأ حركة حماس بإدخالها سلاح المقاومة في معادلة رفع الحصار سياسيا؛ فوثيقة إنهاء الانقسام الموقّعة في القاهرة في الثاني عشر من الشهر الماضي، نصّت على التزام حماس" بالقانون الأساسي (للسلطة) للمحافظة على النظام السياسي الواحد"، ونصّت أيضا على "تمكين حكومة الوفاق الوطني في إدارة القطاع، كما في الضفة الغربية وفق النظام والقانون"، ما سيجعل سلاح المقاومة عمليا محل نظر ومراجعة، وفقا لاتفاقيات أوسلو الناظمة للقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية.

ثانيا: تكرار بعض قيادات حركة "حماس" القول بأن "خيار السلم والحرب يجب أن يكون خيارا وطنيا"، في ظل المعادلة الداخلية المُخْتَلة والمتأرجحة بين نهجي المقاومة والتسوية السياسية، يُضيّق هامش المناورة أمام المقاومة، ويُكبّل سلاحها ويرهنه لموافقة تيار التسوية في حركة "فتح"، بقيادة الرئيس عباس الرافض والمعادي كُليةً لخيار المقاومة، ويجعل من أي خطوة انفرادية محل نقد واتهام لتعارضها مع مبدأ السلطة الواحدة، ما سيُغري الاحتلال بارتكاب المزيد من الجرائم ضد الفلسطينيين.

من يريد أن يصنع المستقبل عليه أن يتكئ على قوة الحاضر، وعبرة الماضي، فالتاريخ قد يُعيد نفسه ولكنه لا يرجع بنا إلى الوراء؛ فإذا كانت قيادة حركة حماس الجديدة، وعبر هجوم المصالحة المشفوع بتنازلات كبيرة وصادمة، تحاول خلق فرصة لبناء شراكة وطنية حقيقية تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية، فعليها ألا تنسى أن حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس ما زالت بل ازدادت تطرفًا في مواقفها المعادية لخيار المقاومة قولًا وفعلًا، كما هو جارٍ في الضفة الغربية وذلك انسجامًا مع قناعاتها، وتساوقًا مع سياسات إقليمية ودولية تسعى للقضاء على الإسلام السياسي عبر الإطاحة بأنظمة، والقضاء على حركات نابضة في جسد الأمة، وهذا يقتضي النظر إلى ما يجري في غزة من زاوية مختلفة.

مواضيع متعلقة: