إقرأ المزيد


فتاوى رمضانية (3)

غزة - فلسطين

يجيب عنها الدكتور بسام العف أستاذ الفقه وأصوله المساعد في جامعة الأقصى

حكم السباحة للصائم في نهار رمضان

السباحة للصائم في نهار رمضان جائزة؛ لأنها في معنى الاغتسال، والغسل جائز للصائم، سواء أكان غسلًا مسنونًا أم واجبًا أم مباحًا، ولكن الحكم في مسألة السباحة خاصة فيه تفصيل على النحو التالي:

1- إذا كان يغلب على ظن السابح عدم دخول الماء إلى معدته من الفم أو الأنف، وكان يحسن السباحة بحيث يضمن الحفاظ على صيامه، فلا بأس عليه حينئذٍ في السباحة، ويكون حكمها حكم الاغتسال للصائم.

وثمة تساؤل في هذه الحالة، وهو لو علم السابح أو غلب على ظنه عدم دخول الماء، فدخل إلى جوفه عن غير قصد منه، فهل يحكم بإفطاره؟، الجواب: إنه يفطر في قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية، فعليه القضاء مع إمساك بقية اليوم، تمسكًا بالأصل المقرر: "كُلُّ مَا وَصَلَ إِلَى الـجَوْفِ"، وهناك قول لبعض التابعين، ووجه عند الحنابلة، اختاره بعض العلماء المعاصرين، وهو عدم الإفطار، وهذا القول يتماشى ومبدأ التيسير الوارد في معرض آيات الصوم في قوله (تعالى): 'يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ'، ويتماشى أيضًا مع ما هو مقرر لدى الفقهاء: ما لا يستطاع التحرز منه أو ما لا يمكن الاحتراز عنه لا يفسد الصوم أو لا يفطر؛ لأنها لو جعلت مفسدًا لصومه لوقع المكلف في حرج شديد, والحرج الشديد مدفوع شرعًا.

2- إن علم أو غلب على ظنه أنه لا يمكنه التحرز من ذلك فليس له أن يسبح، لأنه يعرض صومه بذلك للفساد.

3- على من أراد السباحة وهو صائم أن يجتهد في التحرز من وصول شيء من الماء إلى جوفه، فإذا كانت أذنه مثقوبة فيجعل فيها ما يمنع وصول الماء إلى الجوف؛ لأن مبنى الصوم على الاحتياط، والله (تعالى) أعلم.

*********************

(2): هناك أمور عارضة لا يتمكن الصائم من أن يتجنبها في نفس الوقت لا يتعمد فعلها كبلع الريق والنظرة التي يترتب عليها إنزال المذي ونحوها، فهل يفطر الصائم بها؟ وما هو الحد الفاصل في المنافي للصوم بين ما يعد مفسدا أو غير مفسد (معفو عنه)؟

الجواب على التفصيل الآتي:

1- أن الضابط الذي يحدد بين الذي يفطر وبين ما لا يفطر مما هو منافٍ للصوم: "ما لا يمكن الاحتراز عنه لا يفسد الصوم" بمعنى أن ما يتعذر أو يتعسر على الصائم توقيه عادة من الأمور الممتنعة عليه بسبب الصوم, إن وقعت لا تفسد صومه؛ لأن ما لا يمكن التحرز منه هو الذي تتعلق به عموم البلوى, فلا تُوجَب عليه تبع؛ لأنها لو جعلت مفسدًا لصومه لوقع المكلف في حرج شديد, والحرج الشديد مدفوع شرعًا بقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286] , لأن إلزام إفساد صوم المكلف بما لا يمكن التحرز عنه عادة, تكليف بما لا يطاق, وتكليف ما لا يطاق غاية التثقيل والحرج.

2- بناء على الضابط السابق فالذي لا يفطر الصائم مشروط بشرطين اثنين:

الأول: أن يكون الأمر الذي تعرض له الصائم مما لا يمكن التحرز منه عادة؛ لأن ما لا يمكن التحرز منه هو الذي تتعلق به عموم البلوى, فالحد الفاصل بين ما لا يمكن التحرز منه وما لا يمكن هو العادة.

الثاني: ويشترط في المعفي عنه الذي لا يمكن التحرز منه عادة, أن يعرض للصائم دون أن يتعمد الصائم ملابسته.

وبناء عليه فإن ابتلاع الصائم ريقه ومثله أثر المضمضة والاستنشاق والسواك, وهو ما يسمى بلل الفم، وما يتعلق بين أسنان الصائم عادة من الطعام إذا جرى إلى جوفه (المعدة على الأرجح), وكذلك إذا طار بخار القِدْرِ أو دخان البخور أو غبار الطريق وغربلة المطاحن والمحاجر, والذباب والبعوض ونحوه من الحشرات الطائرة، ومَنْ بفيه أو أنفه أو أذنه جرح لم يقدر على حبس الدم عن جوفه؛ فإذا دخل هذا أو ذاك مما يشق الاحتراز عنه إلى فم الصائم حتى وصل إلى حلقه, دون أن يتعمد استنشاقه, لا ينهدم بذلك صومه؛ لأن هذا مما لا يمكن التحرز عنه عادة, ولم يتعمده فيكون معفيا عنه.

ومما هو جار على معنى الضابط سالف الذكر ما إذا أمذى الصائم أو أمنى بتفكير, أو نظر لا تكرار فيه, لا يفطر؛ لأن هذا مما يعسر التحرز منه إذا انعقد سببه, وما لا يمكن التحرز منه لا يفطر الصائم.

ولكن ما يمكن التحرز منه يبقى على الأصل, وهو حصول الفطر بكل ما يصل إلى جوف الصائم, فالطعام الذي يدخل جوف الصائم وتحقق وثبت وتأكد وصوله إلى المعدة من خارج الفم, ولو كان بقدر ما يتعلق بين الأسنان عادة, وذوق الطعام, وما في معناه مما يمكن التحرز منه عادة يفطر الصائم وخارج عن محل العفو.

وكذلك إذا أجمع الصائم ريقه, أو اقتلع ما بين أسنانه فابتلعه, أو كرر النظر إلى أجنبية بشهوة حتى أنزل, فسد صومه؛ لأن الصائم تعمد ملابسته, فهو خارج عن محل العفو، والله تعالى أعلم.

تحرير إلكتروني: فاطمة الزهراء العويني
مواضيع متعلقة: