​فرصة إدلشتاين!

عبد اللطيف مهنا
الأحد ٠٧ ٠١ / ٢٠١٨

قرار الكنيست، وقبله قرار ترامب، أخرجا ملف القدس من ما تعرف بـ"قضايا الحل النهائي"، وإعلان هيلي بخصوص الأونروا يمهّد لإلحاق ملف اللاجئين به، وما تبناه الليكود إجهاز على ما تبقى نظريا من أوسلو.. حوَّل السلطة تلقائيا إلى فتات إدارات ذاتية بمستوى بلديات لتجمُّعات سكانية متباعدة، أو معازل أشبه بالمعتقلات الكبيرة، لجالية أجنبية لها حق الإقامة المؤقتة، وبرسم الترانسفير عندما تسمح المخططات وتأذن الفرص المستقبلية به.

قبيل تبني مؤتمر حزب الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، وبالأغلبية الساحقة، قرارا بإلزام وزرائه ونوَّابه العمل على فرض السيادة على الضفة الغربية بما فيها القدس، بمعنى ضمها للكيان الاحتلالي رسميا، وإقرار الكنيست لقانون قدَّمه حزب "البيت اليهودي" بزعامة نفتالي بينت أُطلق عليه قانون "القدس الموَّحدة"، الهادف لقطع الطريق على أية فرصة تسووية مستقبلا قد تؤدي إلى تقسيم المدينة، أو التخلي عن أي جزء منها، وذلك باشتراط موافقة ثلثي أعضاء الكنيست، أي الأمر الذي هو في حكم الاستحالة.. قبيل هذين الحدثين، وتمهيدا لهما، سبق تصريح لرئيس الكنيست الليكودي يولي إدلشتاين نوَّه فيه إلى أن كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والظروف السائدة في الإقليم، ويقصد الحالة العربية، يشكلان "فرصةً يجب استغلالها" لحسم الصراع لصالح كيانه الغاصب، بادئا برفع شعار "القدس أولا"، مطالبا ترامب بدعم هذا الشعار الداعي لربط المدينة بكتلة "معاليه أدوميم" التهويدية، أو المشروع المعروف بـ"E1″، الذي يعني إيصال مساحة بلديتها إلى 12% من مساحة الضفة لتلامس حدودها البحر الميت، والهدف عزل شمال الضفة عن جنوبها. ما أقره الكنيست، وما تبناه الليكود، والذي هو في حكم المُقر حال تقديمه للكنيست لتوفر أغلبية إقراره، يأتي في سياق سباق تهويدي محتدم اكتسب اندفاعته غير المسبوقة من اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لحلفائه المحتلين، الأمر الذي كنا قد أشرنا إليه مسبقا في مقال سابق، وإذ قلنا حينها إن اعترافه قد جاء وتم توقيته بناءً على تفاهم وتوافق مبيَّت تم مسبقا بين الحليفين، قلنا أيضا، إن هذا التفاهم والتوافق ينسحب أيضا على ما سوف يلي من خطوات يقدم عليها الطرفان، تنحو لفرض وقائع تصفوية تستهدف شطب القضية برمتها، تسهّلها عليهما فرصة انحدار واقع الحال العربية التي أشار إليها إدلشتاين.. مثلا، بالتوازي مع ما أُقر وتم تبنيه ليُقر، أعلنت نيكي هيلي المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة أن "الرئيس دونالد ترامب سيوقف الدعم الذي تقدّمه الولايات المتحدة إلى الأونروا، وذلك حتى يعود الفلسطينيون لطاولة المفاوضات". وهذا يعني إسقاط الأمريكان لملف اللاجئين بعد إسقاطهم لملف القدس مما سمّي أوسلويا بـ"قضايا الوضع النهائي". مواقف ترامب، التي يصعب التفريق بينها وبين مواقف نتنياهو وبينت وليبرمان، أعطت إشارة الانطلاق لماراثون التنافس في سباق الغلو بين قوى المستوى السياسي في الكيان الاحتلالي لاقتناص الفرصة التي أشار إليها إدلشتاين. سابقا كان "البيت اليهودي" يطالب بضم المنطقة "ج" من الضفة وفق تصنيفات أوسلو، والتي تعادل 60% من مساحتها، الآن الليكود يزاود عليه ويطالب بضمها كاملةً! والمهم أن كليهما يضرب الآن بسيف ترامب ليجعلا من الوهم التسووي الأوسلوي من أضغاث أحلام الزمن الماضي.. يقول قرار مؤتمر الليكود: "في الذكرى الخمسين لتحرير يهودا والسامرة، بما فيها القدس، عاصمتنا الأبدية، تدعو اللجنة المركزية لليكود قيادات الليكود المنتخبة للعمل من أجل البناء الحر، وتطبيق قوانين إسرائيل وسيادتها على مجمل المجال الاستيطاني المحرر في يهودا والسامرة"! قرار الكنيست، ثم إقراره لاحقا لمقترح الليكود المقدَّم إليه، وما سيتبع من قرارات متوقَّعة، ليست سوى إشهارات لوقائع تهويدية تم تكريسها بدأب على الأرض منذ أن كان الاحتلال، وتسارع فرضها في ظل الكارثة الأوسلوية، وما وفَّرته أوهامها التسووية من التغطية المرادة، ثم ما أتاحته سنونها العجاف من الوقت اللازم لجعلها واقعا.. والآن، ما الذي أبقته هذه القرارات لدعاة التسوية؟! وصف الدكتور نبيل أبو ردينة، الناطق الرسمي باسم السلطة، قرار الكنيست بأنه "إعلان رسمي بنهاية عملية السلام"، وحقا، ومن زاوية ما عُلّق على مشجب هذه العملية المنتهية من أوهام، هو كذلك. فقرار الكنيست، وقبله قرار ترامب، أخرجا ملف القدس من ما تعرف بـ"قضايا الحل النهائي"، وإعلان هيلي بخصوص الأونروا يمهّد لإلحاق ملف اللاجئين به، وما تبناه الليكود إجهاز على ما تبقى نظريا من أوسلو.. حوَّل السلطة تلقائيا إلى فتات إدارات ذاتية بمستوى بلديات لتجمُّعات سكانية متباعدة، أو معازل أشبه بالمعتقلات الكبيرة، لجالية أجنبية لها حق الإقامة المؤقتة، وبرسم الترانسفير عندما تسمح المخططات وتأذن الفرص المستقبلية به، مع الحرص على إبقاء أمر واحد لا غير هو "التنسيق الأمني"، أو التعاون مع المحتلين للحفاظ على أمن احتلالهم. بالمقابل، أما والحال العربية كما هي عليه، والتي أقل ما يقال فيها إنها لا تسر صديقا ولا تزعج عدوا، وإن كل ما بدا من السلطة، أو تلوّح به حتى الآن، لا يعدو "الذهاب للمحاكم الدولية، والانضمام إلى المنظمات الدولية"، ولا يتعدى اللجوء للأمم المتحدة، أي هذه الموجودة منذ النكبة، والشاهدة عليها، والمشرّعة لنتائجها، فما العمل؟ ما هي الخيارات المتوافرة للشعب الفلسطيني في مثل هذه المرحلة الأخطر في تاريخه النضالي المديد؟ نقول هذا قبل أن يبدأ الانتقال بالأحاديث التسووية من ندب المغدور "حل الدولتين" إلى المستحيل "حل الدولة الواحدة"، بمعنى الانتقال بنا من النضال السلمي ضد الاحتلال، إلى الاحتجاجي ضد عدم المساواة، والفصل العنصري، ومظالم الأبارتهايد! ليس أمام الفلسطينيين سوى المقاومة، وما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها.