إقرأ المزيد


روحُه المَرسم.. محمد دغمش

فنّان بين دفاتره "عطرٌ ودُخان"

غزة- حنان مطير

في تجاعيد وجوه الباعة، وبين طبقات أصواتهم المتعالية، وصرير نقودهم الرنانة يغوص ذلك الطفل الصغير في بحر عالمٍ غير هذا، ثم ينسى أن يشتري ما أوصته به أمّه، وحين يهزّ الوقتُ وَعْيَه يركض ويشتري البضاعة على عجل، ثم يعود إلى والدتِه خجِلًا من تأخّره، فيجدها تنتظره وقد تملّكها القلق، وسرعان ما يتملّص منها يمسك ورقةً وقلمًا ويبدأ رسم حكاية السوق.

الصغير محمد دغمش كبر قليلاً فنمى خيالُه وواقعُه، وبين خطوط قلمِه الرّمادية صار ينبعث دخانٌ أسود كثيف.. تشتعل الإطارات ويلتهِب الفضاء.. تتكسَر الحجارة على الرّصيف وتضرب جِب "المشمارقفول".. الجنود بخُوذهم يلقون قنابل الغاز المسيلة للدّموع.. وأطفال الحجارة يتفنَّنون بسحب "الشُّدِّيدة" المطّاطية "المقلاع" وقنص الجنود.. إنها الانتفاضة تشبّ بين دفاتِره وأوراقِه وكتبه المدرسية!

فاشل

لم يرُق الحال والدته، فكل دفاتِره سوداء "مُخربشة"، يا له من ولدٍ فاشل!، "ومن قال إن الفنّ يُطعم أسرة أو يبني عمارة؟!"، كانت تتساءل بغضب، وأمام "خربشاتِه" يتراكم حزنُها؛ فهي لا تريده إلا متعلّمًا طبيبًا أو مهندسًا يرفع رأسَه ورأسها مستقبلًا.

الملعقة المتجمّرةُ علّمت على ذراعِه، ولم يترك الفن، ولنصف يومٍ ظلّ معلقًا في شرفة المنزل وما زال الفنّ يتملّك كلّ عقله وحواسِه، يقول لفلسطين: "ملّت أمّي وأنا لم أملّ، فلم أشعر بحلاوةٍ أكثر من حلاوة الرسم وتفريغ كل ما أراه على الورق".

كلّ حواسِه تلك وهبَها للورقة و"رصاصة" قلمه في سن العاشرة، حين نهش الجوعُ جزءًا من معدة زميلِه في الفصل، فاختطف "خُبزةً" من حقيبته وراح يقضمها خلسةً، فاكتشفه المدرس، وانهال عليه بالضرب بعصاه التي تشبّثت بها كل الأمراض النفسيّة، لقد رسم محمد مُعلّمه في تلك الحالة وصوّرها بكل تفاصيلها المؤلمة، يقول: "دقّ قلبي حتى كاد يسقط مني، حين رمقَني الأستاذ واقترب مني، ساحبًا الورقة، لكنّ ردّ فعله كان على عكس ما توقّعت، دقّق النظر وتبدّلت ملامحه إلى الهدوء، وسألني: "هذا أنا يا محمد؟"، فأجبته وأنا أنتظر كفًّا تصفع وجهي: (نعم، يا أستاذ)".

ويضيف: "كان توقعي في غير محلّه، فلم أرَ هذا المدرس يضرب أحدًا من بعدها، فشعرت أنني أنجزت فعلًا عظيمًا، ما شدّني إلى الرسم أكثر وأكثر".

إلحاح الموهبة

لم يكن من اهتمام بموهبة محمد، لكنها ألحّت عليه كي يصمد وينجح ويتميّز، فشارك في رسمةٍ سجّل فيها تفاصيل رضيعٍ ما زال يلثم صدر أمّه وهي شهيدة بين الرّكام، صوّرها بريشته وأنامله التي لم تشتدّ بعد، في أصغر مراحله الابتدائية، في مسابقة مدرسته على مستوى قطاع غزة، وحصل فيها على المركز الأول.

وفي سن الثالثة عشرة خرجت إلى النور أُولَى جدارياتِه التي جسّد فيها الطفل الشهيد محمد الدّرة وهو يفقد أنفاسه الأخيرة، وسط حالة من الهلع والرعب التي عاشها في حضن والدِه، والحقيبة المدرسية على كتفيه في انتفاضة عام 2000م، لقد صوّر تفاصيل الألم والظلم والموت بدمٍ بارد، ليكون في تلك السن قد احترف الفن مقارنةً بأقرانِه المميزين.

استُشهِد الدّرة، وأصيب الطفل الفنان محمد في خاصِرتِه برصاصةٍ على يد جنود الاحتلال الإسرائيليّ في الانتفاضة نفسها، كانت إصابتُه بالغةً، فوُصلت بجسدِه الأنابيب الطبيّة ولم يقوَ على الحركة، لقد سالت أحاسيسُه ومشاعره مع دمِه، لترسم أكثر اللوحات تعبيرًا عن حالة الحرب والظلم التي تعيش فيها غزّة بسبب الاحتلال.

إصابة في الخاصرة

يروي: "طلبتُ من والديّ ورقةً وقلمًا لأرسم، فلم يقبلا لشدّة ما خافا أن تتأثر صحتي، خاصة أن وضع الأنابيب كان حساسًّا في جسدي، لكن الطبيب أحمد قنديل رئيس قسم الجراحة في مستشفى الشفاء آنذاك وافق، فعلى ما يبدو رأى أن في القلم والورقة علاجًا نفسيًّا إلى جانب علاجي البدني".

ويضيف: "ما زلتُ أحفظ جميلَه، ولن أنساه يومًا، كنت بأمسّ الحاجة للتفريغ النفسي بالرسم، وبأمسّ الحاجة لدعمٍ معنويّ يشفي جسدي"، أنهى محمد لوحتَه التي أسماها "شموخ المرأة الفلسطينية"، فأبهر بها الطبيب الذي قال له: "أنت طفلٌ معجزة، لم أكن أتخيل أنك سترسم بهذا الإبداع، يا صغير".

وكما يحترف محمد رسم الألم بتفاصيله إنه يبدع في رسم الأمل بكل التفاصيل أيضًا، فرذاذ العطر ينبعث من ريشته وحبره وألوانه ليبوح بالحبّ والسّعادة والهناء، ذلك الحب قد يتجسّد في وشاح امرأةٍ فلسطينية ترتدي ثوبها المطرز بخيوط الحرير الخضراء والبيضاء والعنابية، ليمضي ساعاتٍ وأيامًا طويلة في تلوينه بإصبعه وجزء من راحة كفّه، كتلك اللوحة التي لا يزال يرسم فيها حتى اليوم، وترنو إلى تحقيق المصالحة الفلسطينية.

ويتفنن محمد في رسم لوحاته حتى تمكّن من رسم اللوحة مقلوبةً في دقائق معدودة، ثم حين تقلب تظهر بقمة الدقّة والروعة، ومن بين تلك الرسومات لوحة للشاعر الفلسطيني محمود درويش.

معارض وجوائز

وكان الفنان محمد أول فنّان جمع الفنانين للتضامن مع الأسرى الذين أضربوا عن الطعام بمعركة الأمعاء الخاوية في مايو الماضي، مجسدًا معاناتهم وقوّتهم في الوقت نفسه، وذلك في ساحة أرض المعارض بمنطقة السرايا.

وما زال يتميّز حتى حصل على المركز الأول في معرض المهرجان الدولي الذي جمع 47 دولة، يقول: "كان عملي أفضل عمل بفضل الله، وأنا الأصغر سنًّا في المشاركين، وحينها لقب الوفدان الأردني والأوروبي لوحتي ودوناها باسم "موناليزا فلسطين"، التي كنت قد أسميتُها (عَزْف المرأة الفلسطينية)".

ولشدة ما عاش محمد إحساسًا قويًّا في لوحتِه "عزف المرأة الفلسطينية" رفض أن يبيعها بمبلغ باهظ، يعلق مبتسمًا: "اللوحات التي أعيش فيها الإحساس العميق لا أتقبّل بيعها، مهما غلا سعرها، فلو بعتها أشعر كأني بعتُّ أحاسيسي معها".

وكما كل الشعب الفلسطيني يحلم محمد بتحقيق المصالحة الفلسطينية، ويرى أنها بشرى خيرٍ للفنانين وكل أبناء الشعب، لذلك تراه اليوم منهمكًا في رسم لوحةٍ كبيرةٍ باسم "امرأة فلسطين"، التي برزت فيها المرأة الفلسطينية كبيرةً في السّن تملأ وجهها التجاعيد، وبين تلك التجاعيد تظهر خريطة فلسطين، وتمسك بيمناها مفتاح العودة، وبيدها اليسرى ورقةً بانت على تفاصيلها علامات القِدَم والماضي، وقد كتب عليها: " بوحدتنا نزداد قوة.. حماس وفتح لأجل العودة".

روحي مرسمي

ولا تزال كهرباء غزّة تفرض نفسَها على كل مناحي الحياة الغزية، عن هذا يقول: "أحتاج لإضاءة قويّة في مرسمي الخاص، كي أتقن تفاصيل رسوماتي، لذلك إن قطع الكهرباء ووصلها لهما مكانٌ في تحديد وقت رسمي، خاصة أنني أعشق الرسم في الليل".

ويضيف: "مرسمي هو كلّ روحي، لا أتخيل نفسي أعيش دونه، أقضي غالبية وقتي فيه، أو مفكّرًا في الشيء الجديد الذي سأرسم".

وسيشارك محمد في معرض خاص بالفنانين العرب بالمملكة الأردنية الهاشمية مطلع العام القادم، إذ اختير هو فقط من غزة إلى جانب خمسة مشاركين من الضفة الغربية، ويعمل في تقديم دوراتٍ تدريبية احترافية في الفنّ التشكيلي، ويسير حديثًا في اتجاه إبداعٍ جديد في فن الخدع السينمائية.

خدمة الوطن

وخلال مسيرته الفنية المكتظة بالإبداع شارك محمد في العديد من المعارض الفنية، وظلّ يحصد الجوائز العديدة والمراكز المتقدمة في مسابقات مختلفة، من بينها حصوله على المركز الأول في مهرجان "على طريق القدس" في نسختيه الأولى والثانية، الذي تشارك فيه العديد من الدول العربية.

ويسعى الفنان التشكيلي محمد اليوم إلى خدمة القضية الفلسطينية ما أمكن في مختلف أعماله، أما لوحته الأضخم التي تصل مساحتها إلى 4 أمتار في مترين فتصور صلاح الدين الأيوبي، ويدعو بها العرب للوحدة، وتكتظ بالمقاتلين العرب والأعداء، يعبر عنها: "إنها رسالتي الأعظم في حياتي، فكم أتمنى أن يتّحد العرب!".

مواضيع متعلقة: