​فلسطين و(إسرائيل).. ما بعد عباس ونتنياهو

علاء الترتير
أربعاء ١٦ ٠٨ / ٢٠١٧

يترقب الصحافيون والمحللون السياسيون الأشهر القليلة المقبلة في فلسطين وإسرائيل بلهفةٍ كبيرة؛ إذ أضحى السؤال عمّن تتوقع أن يكون الرئيس ورئيس الوزراء القادمان هو المطروق في الأروقة الإعلامية، وفي نقاشات مراكز الفكر والتفاكر والتحليل. إذ يتوقع مراقبون عديدون زلزالاً على مستوى القيادات السياسية؛ فرئيس وزراء (إسرائيل)، بنيامين نتنياهو، غارق في قضايا الفساد المالي، ويواجه أزمة حقيقية، ويواجه رئيس السلطة محمود عباس وكبير مفاوضيه للعملية السلمية، صائب عريقات، ظروفا صحية صعبة، حسب تقارير صحافية.

وبالتالي، فإن فراغاً سياسياً قيادياً يلوح، تربك تبعاته على العملية السلمية وعلى حياة الناس، كثيرين من أقطاب المجتمع الدولي، والذين استثمروا مليارات الدولارات من أجل إدامة الوضع الراهن وتمويله. وسيملأ الفراغ السياسي هذا في فلسطين و(إسرائيل)، والذي سيكون نتاجاً لأسباب ودوافع مختلفة، بشكل رئيسي، بمؤسسات متجذّرة في كلا النظامين السياسيين. المحاججة هنا أن من سيخلف عباس مؤسسة أمنية فلسطينية قمعية، أما نتنياهو فستخلفه نخبة سياسية إسرائيلية عنصرية واستعمارية أكثر.

تدلل مؤشرات عديدة على أن النهاية السياسية لنتنياهو ليست بعيدة. ولكن، حتى لو قضى بعض الوقت خلف قضبان السجن لفساده، فذلك لن يؤثر إيجاباً على السياسات الاستعمارية الكولونيالية الإسرائيلية نحو الفلسطينيين، فالمرشحون لخلافة نتنياهو، جدعون سعار نفتالي وبينيت لآفي جابي وليائير لبيد، يشاركونه نهجه العنصري الاستعماري، إن لم يكونوا أكثر ضراوة وتطرّفا منه، كما تفاخروا بذلك في مناسبات عديدة على مدار السنين الماضية.

ومع استمرار تحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين السياسي، خصوصا في ما يتعلق بفلسطين وحقوق الفلسطينيين، فستزداد شراسة وعنصرية المؤسسات الإسرائيلية المتشددة، وستحظى آراء السياسيين العنصريين بمزيد من الدعم والتأييد، فنظرة سريعة على النتائج المتراكمة لاستطلاعات الرأي، على مدار العقد الماضي، توضح أن الاتجاهات التي يختارها المجتمع الإسرائيلي أبعد ما تكون عن السلام والعدالة.

أضف إلى ذلك أن ردود الفعل الشعبية الإسرائيلية أخيراً، في ما يخص رئتي صائب عريقات، أو محاكمة ألور عزيريا، أو احتلال المستوطنين بيت عائلة الرجبي في الخليل، تدلل على السياق العام الذي سيحكم (إسرائيل) في مرحلة ما بعد نتنياهو. وكما يحاجج الصحافي الإسرائيلي، جدعون ليفي، فإن "إحداث التغيير في المجتمع الإسرائيلي يتطلب مرور المجتمع الإسرائيلي بعملية تغييرية قاسية على المستويين، الفكري والمفاهيمي. ولكن لا توجد مؤشراتٌ على قرب حدوث هذه العملية... فسيذهب نتنياهو، وستبقى إسرائيل كما هي". وعليه، سيحكم المجتمع الإسرائيلي الاستعماري ويقود المرحلة المقبلة أيضا، وليست المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية فحسب.

وعلى الصعيد الفلسطيني، ليست الأمور في حال أفضل، فالتقارير الإخبارية عن الحالة الصحية لعباس وعريقات تعرّي هشاشة النظام السياسي الفلسطيني. ومن أجل تدارك بعض الأخطار، قرّر عباس، مرة أخرى، ترفيع مسؤول المخابرات الفلسطينية، ماجد فرج. ولكن هذا الترفيع ليس ترفيعاً فقط لفرج بحد ذاته، وإنما هو ترفيعٌ جوهري للمؤسسة الأمنية الفلسطينية، من أجل إرساء قواعد الحكم في الفترة المقبلة. فعلى مدار العقد الماضي، استثمرت السلطة الفلسطينية، ومجتمع المانحين، مليارات الدولارات في إصلاح المؤسسة الأمنية الفلسطينية. والآن، حان الوقت لتهيئتها لتتولى سدة الحكم في مرحلة ما بعد عباس. ولا يشكل هذا التطور مدعاة للفرح، ولا يبشر بخير يؤدي لانتقال ديمقراطي للسلطات، إذا أخذنا في الحسبان نهج السلطة الفلسطينية للحكم "بقبضة حديدية فولاذية" كجزء من مشروع بناء الدولة على مدار السنوات العشر الماضية.

فبذريعة تحقيق الاستقرار وتجنب الفوضى والفلتان الأمني، ازدادت سلطوية السلطة وقمعيتها، واستخدمت أجهزتها الأمنية لتقوية نفوذها وسيطرتها. وبالتالي، ليس أي انتقال سياسي ديمقراطي ذي معنى مطروحاً خياراً فعلياً على أرض الواقع، حتى فيما لو جرت انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني واجتماعاته في خريف العام الجاري، فالانتخابات والاجتماعات في ظل الإطار السائد أبعد ما تكون عن الشمولية والشفافية والتمثيل، وتشكل خطراً على تعميق الانقسام الفلسطيني، وتخلق مزيدًا من التشوهات البنيوية والتشرذم في الحركة الوطنية الفلسطينية. وآخر ما يحتاجه الفلسطينيون الآن نظام قمعي بوليسي آخر؛ فمزيد من الحكم والسيطرة للمؤسسة الأمنية على النظام السياسي الفلسطيني سيزيد من حالة الضعف والوهن، ويزيد من أزمة النظام السياسي المأزوم أصلاً. وتعني هذه السيطرة الأكبر للمؤسسة الأمنية، في ما تعنيه، المزيد من الازدهار لنهج التنسيق الأمني مع إسرائيل، كما أملته شروط اتفاقية أوسلو، فالقيادة الفلسطينية الحالية تعتبر هذا التنسيق الأمني "مقدّساً"، والأدهى من ذلك أن بعضاً من قيادات حركة فتح المستقبلية تعتبر التنسيق الأمني هذا "جزءاً من استراتيجية التحرير".

أضف إلى ذلك أن القيادات الحالية ستستمر في التصاقها بأنموذج حل الدولتين، على الرغم من فشله، وستمعن في استجداء الرعاية الأميركية للعملية السلمية، حتى أن قيادات فتحاوية تجد في الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وإدارته، مصدراً للإلهام والأمل. فقد صرح المسؤول الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، الأسبوع الماضي، بأن "المصدر الرئيسي للأمل والإثارة لنا هو الرئيس ترامب نفسه"، وأنه "لا يمكن لأي أحد آخر غير الرئيس الأميركي نفسه القيام بهذه المهمة".

وعليه، سيكون اليوم التالي لعباس ونتنياهو مشابهاً لما نراه اليوم. ماذا عسانا فاعلين لتغيير هذا الواقع؟ الإجابة بسيطة وواضحة: مقاومة كل التوجهات المناقَشة أعلاه، فالتغيير الحقيقي لن يأتي من المؤسسات التي ترعى عباس ونتنياهو وتدعمهما، ولن تأتي أيضاً من القيادات التي تنتظر ملء كراسي الرئيس ورئيس الوزراء. فأولئك أيضاً جزء أصيل من المنظومة المؤسساتية السائدة التي استفادت من استمرارية الوضع الراهن، وأدامت الاحتلال العسكري الإسرائيلي على مر العقود الماضية.

يتطلب التغيير الحقيقي مقاومة هؤلاء اللاعبين، وإرساء قواعد جديدة للعبة، لكن الأهم يكمن في إيجاد مؤسسات فعالة وشرعية وممثلة، من أجل إحداث التغيير الحقيقي. ولكن، في غمرة هذا كله، ثمّة سؤال برسم الإجابة: إن كان الفلسطينيون متعطشين للتغيير، فماذا عن المجتمع الإسرائيلي؟ أم أن هذا المجتمع سعيد بـ(إسرائيل) كما هي، دولة استعمار استيطاني وخارقة للقانون الدولي، مستفيدة من اضطهاد واحتلال أناس آخرين؟