إقرأ المزيد


فاقدُ الدستوريةِ لا يُعطيها

مروان البرش

منذ صدورِ مرسومٍ رئاسيٍّ بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ انبرى كثيرٌ من الباحثينَ والقانونيينَ بينَ مؤيِّدٍ ومعارضٍ لهذا المرسومِ، ولم يلتفتْ أو يتطرقْ أيٌّ منهم إلى القانونِ الذي بمُوجبِه عين هؤلاء القضاة.
المحكمة الدستورية هي السلطةُ الأرفعُ والأقوى في مواجهةِ السلطاتِ الثلاثِ: (السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية)، إذ إنّ صلاحيتها ونفوذَ المحكمةِ الدستوريةِ يطالان ما تسنُّهُ السلطة التشريعية من قوانينَ بالإلغاءِ أو التعديلِ، وقد يأخذُ الأمرُ مَنحىً أكثرَ تطرُّفًا كأنْ تقضي ببطلانِ القانونِ الذي على أساسِه انتُخبَ البرلمانُ، وبالتبعيةِ حلّ البرلمانِ، وقد تطالُ سلطتُها ما يَصدرُ عن السلطةِ التنفيذيةِ من قراراتٍ بقانونٍ ولوائحَ بالإلغاءِ أو التعديلِ، وقد يصلُ الأمرُ إلى أبعدَ من ذلك عندما تقضي بعدمِ أهليةِ الرئيسِ، وقد تطالُ صلاحيتُها ما يصدرُ عن السلطةِ القضائيةِ من أحكامٍ بالطعنِ بعدمِ دستوريةِ هذه الأحكامِ بالإلغاءِ أو التعديلِ.
إنّ القانونَ الأساسي المُعدّلَ لعام 2003م المادة 103، وقانونَ السلطةِ القضائيةِ لسنة 2002م المادة 6 جاءا ليؤكّدا أنّ المحكمةَ الدستوريةَ هي هيئةُ "سلطةٍ" مستقلةٍ بذاتِها، ذاتُ طبيعةٍ قضائيةٍ، وليست لها تبعيةٌ لأيِّ سلطةٍ من سلطاتِ الدولةِ الثلاثِ.
وسنَّ المجلسُ التشريعي قانونَ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006م، بيّنَ فيه صلاحياتِ المحكمةِ، وعددَ أعضائها، وآليةَ تعيينِهم، وممارسةَ اختصاصِها، ونُشر في الوقائعِ الفلسطينيةِ حسبَ الأصولِ، ولم يُعيَّن أعضاؤها في حِينِه.
وأصدرَ الرئيسُ قرارًا بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006م يحملُ رقم (دون) لسنة 2012م، وأصدر قرارًا آخَرَ بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006م ويحملُ رقم (دون) لسنة 2014م، وطالَ التعديلُ بموجبِ هذينِ القرارينِ بقانون عددَ أعضاءِ المحكمةِ، وآليةَ تعيينِ أعضائها، واستبدالهم (عزلهم)، وشروطَ العضويةِ فيها وصلاحيتَها، وممارسةَ اختصاصاتِها، والقسمَ القانوني أيضًا.
وتوجت التعديلات السابقة لقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا بإصدارِ الرئيسِ مرسومًا بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ في ظِلِّ تكتُمٍ وغموضٍ، واكتُفِي بذِكرِ اسمِ أعضائها فقط.
وإننا هنا ليس في محلِّ تبيانِ وتفنيدِ المخالفاتِ القانونيةِ التي صدرَ بموجبِها مرسومُ تعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ، أو الواردةِ في القرارينِ المعدلَينِ لقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ، وقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ رقم 3 لسنة 2006 نفسه، التي يعتريها مخالفاتٌ وملاحظاتٌ تحتاجُ إلى بحثٍ علميٍّ، وإنما التنبيه إلى أهميةِ المحكمةِ الدستوريةِ، وخطورتها على الوضعِ الفلسطيني.
إنّ الوضعَ الفلسطيني غيرُ مؤهل لتأسيسِ وتشكيلِ محكمةٍ دستورية نتيجةً للانقسامِ السياسي والجغرافي لجناحي الوطنِ، وعدمِ توحدِ القضاءِ الفلسطيني، والقوانينِ المطبّقةِ في جناحَي الوطنِ، وعدمِ الوصولِ إلى حلٍّ واتفاقٍ نهائي بينَ السلطةِ والاحتلال، وعدمِ وجودِ سيادةٍ على كاملِ الأراضي الفلسطينيةِ، أيضًا إنّ سنَّ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ وتشكيلَها يأتيان في أعقابِ انتخابات تشريعية ورئاسية، وتفعيلِ الحياةِ الديمقراطيةِ والدستوريةِ.
إنّ المحكمةَ الدستوريةَ ركيزةٌ ومكوِّنٌ أساسيان للدولةِ، وإنّ سنَّ ووضعَ قانونِها وتشكيلِها بحاجة إلى اتفاق وتوافق فصائلي ومجتمعي، وقبلَ ذلك إقرار دستورِ دولةِ فلسطينَ، فإنّ قانونَ المحكمةِ الدستوريةِ هو أبرز القوانينِ المكمّلةِ للدستورِ، لِما لها من أهمية قد تؤثّرُ على الحياةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ بالكاملِ، بحلِّ البرلمانِ، أو عزلِ الرئيسِ، أو إلغاءِ قوانينَ وأحكام قضائية.
إنّ رئيسَ السلطة أصدرَ أكثرَ من (75) قرارًا بقانونِ استنادٍ إلى المادةِ (43) من القانونِ الأساسِي المعدّلِ، ومنها قراران بقانونِ لتعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ، ستُعرضُ على المجلسِ التشريعي في أولِ جلسةِ انعقاد له لإقرارِها أو تعديلِها أو إلغائها، وإلا زالَ ما كان لها من قوةِ القانونِ، فما دورُ وموقفُ المحكمةِ الدستوريةِ، خاصةً أنّ قانونَها ومرسومَ تشكيلِها مَحلُّ نظرٍ في هذه الحالةِ، والمحكمةُ الدستوريةُ هي المختصةُ في الرقابةِ على دستوريةِ القوانينِ والأنظمةِ والقراراتِ، وهي جهةُ الفصلِ بين تنازعِ سلطاتِ الدولةِ الثلاثِ؟
إنّ هذا سيفتحُ المجالَ مستقبلًا أمام محاباةِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ للسلطةِ التنفيذيةِ، ويُظهرُ تأثيرَ وقوةَ نفوذِ السلطةِ التنفيذيةِ على المحكمةِ، وإفقادَه دورَها وقدرتَها على التصدي والفصلِ في أعمالِ السلطةِ التنفيذيةِ ورئيسِها، خاصةً إذا علمنا أنّ جوهرَ المخالفةِ والخطرِ المُحدقِ ليس مرسومَ الرئيسِ بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ، بل هو القرارُ بقانونِ بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ، الذي أعطى الرئيسَ صلاحيةَ استبدالِ وعزلِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ.
إنّ الانقسامَ الراهنَ لا يسمحُ بتشكيلِ محكمة دستورية، أحكامُها غيرُ قابلةٍ للتنفيذِ والاحترامِ في جناحَي الوطنِ، وإنّ وجودَها سيكونُ عائقًا جديدًا أمامَ المصالحةِ الفلسطينيةِ، خاصةً مع ما ترتّبَ على الانقسامِ من مشاكلَ قانونية متراكمة، سيلجأُ إليها بعضُ أطرافِ المصالحةِ لتمريرِ القراراتِ والقوانينِ التي وضعَها خلالَ سنواتِ الانقسامِ.
إنّ المحكمةَ الدستوريةَ وُلدتْ في وقتٍ غيرِ دستوريّ، ورئيسُ السلطةِ منتهي الولايةِ والمجلس التشريعي منتهي الولاية، والحكومةُ لم تنلْ ثقةَ المجلسِ التشريعي، ورئيسُ مجلسِ القضاءِ الأعلى غير دستوري.
وعليه إنّ فاقدَ الشرعيةِ والدستوريةِ لا يعطيها، فإذا كان الأصلُ _وهو قانونُ المحكمةِ الدستوريةِ_ محلَّ طعن بالإلغاءِ أو التعديلِ من المجلسِ التشريعي؛ فإنّ الفرعَ _وهو مرسومُ تعيينِ أعضائها_ محلُّ طعن.

تحرير إلكتروني: فادي عبد الهادي
مواضيع متعلقة: