عفا عن قاتل ابنه فكان عوض الله أقرب

صورة تعبيرية
غزة/ هدى الدلو:

أشرقت الشمس معلنة بدء يوم جديد، ذهب مصلح العر إلى عمله، وترك زوجته تجهز ابنه للروضة قبل قدوم الحافلة، فأصر سليمان ذو الأعوام الثلاثة أن يرافق أخاه إلى باب البيت حتى قدوم الحافلة، ركب أخوه الحافلة ولحق سليمان به، فوقعت الحادثة الأليمة، إذ اصطدمت الحافلة به فأصابته في رأسه.

قال العر: "اتصل عليّ ابن أختي، وقبل أن أجيب عن اتصاله قبض قلبي، وطلب مني العودة إلى البيت، لأن ابني سليمان أصيب بحادث، فسألته: "إن شاء الله سليمة؟، فلم يجبني، ثم عاود الاتصال مرة أخرى بعد عشر دقائق، طالبًا مني التوجه إلى مستشفى الأقصى".

شعر بثقل الاتصال، وأن الموضوع يتعدى كونه حادثًا بسيطًا، وأن طفله قد أصابه مكروه، أكمل طريقه، وفي منتصفه أوقف دراجته النارية، وأعاد الاتصال بابن أخته ليطمئن على حالة ابنه، وسأله عن مكان الإصابة: "هل في يده أم قدمه؟"، فأجابه: "بل في رأسه، لعله خير".

وصل العر إلى المستشفى وقلبه يمشي أسرع من قدميه، فشاهد وجوه جدته وأقاربه هناك، وكانت أبلغ من الكلمات، وفهم أن حالة ابنه سليمان الصحية لا تبشر بخير، وما هي إلا دقائق حتى خرج الطبيب من عنده مخبرًا إياهم أنه لم يستطع إنقاذه، فقد فارق الحياة.

وتابع العرّ حديثه: "لم أسأل عن ملابسات الحادث، واسم الشخص الذي فعله، ولم أتوعد بالثأر لروح فلذة كبدي، رغم الصدمة التي ألمت بي وبزوجتي لكونها كانت شديدة التعلق به من بين إخوته، فذكاؤه جعل كل من يراه يحبه".

وأشار إلى أنه حينها شعر نفسه وكأنه في دوامة بفعل ما حدث، إلى جانب إجراءات الدفن والتغسيل وغيرها، ومع ذلك أخبر الشيخ الذي يود إلقاء كلمة الوعظ والدعاء للميت أنه قد عفا عن المتسبب في مقتل ابنه، الذي سلم نفسه لمركز الشرطة.

وحين أعلن الشيخ عفو آل العر عن الجاني استغرب الجميع، وكان وقعه على الناس غريبًا جدًّا، لكون العفو جاء سريعًا دون الحاجة لتدخل لجنة إصلاح لأخذ العمار، وبعد صلاة العشاء ترك العزاء والناس، وذهب إلى مركز الشرطة من أجل إخراج مرتكب الحادث من السجن.

وأوضح العر أن دافعه إلى العفو أن الحادثة وقعت دون قصد، ووضع نفسه مكان مرتكبها، فوجده أنه سيكون في حالة لا يحسد عليها، قائلًا: "في نهاية الأمر سليمان أمانة من عند الله أعطاني إياها، وربنا أخذ أمانته".

فهذا العفو الذي جاء لله ورسوله، وامتثالًا لأمر الله في قوله (تعالى): "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، لذلك جاء عوضه من الله ورزقه هذا العام في ذكرى موت سليمان (7/5/2016م) سليمان جديدًا.

وختم الأب حديثه: "ليس هناك أصعب ولا أقسى من شعور أن تفقد ابنك في لحظة، ولكن يبقى الإيمان بالقضاء والقدر هو الراسخ الإيماني في قلوبنا المسلمين".