ضيق ذات اليد يقطع رحلة التعليم لطلبة جامعيين

غزة - صفاء عاشور


في تطور يعكس الوضع الخطير الذي لا يزال قطاع غزة يعيشه منذ عدة سنوات، عزف الكثير من الطلبة عن الالتحاق بالجامعات خلال العام الدراسي الحالي، سواء كانوا طلبة جددًا أنهوا لتوّهم الثانوية العامة، أو طلبة بدؤوا رحلتهم الجامعية لكنهم فقدوا القدرة على مواصلتها، ما دفع بعض الجامعات لاتخاذ خطوات تخفف العبء على الطلبة، وتساعدهم في الاستمرار في دراستهم، ومع ذلك فإن هذه الإجراءات أقلّ من أن تحلّ أزمة بعض الطلبة، وبالطبع فالأمر لا يتوقف عند انقطاع هؤلاء الطلبة عن العملية التعليمية، وإنما الجامعات تضررت أيضًا.

الأولوية للأساسيات

ها هي الطالبة في الجامعة الإسلامية "ميسون أسعد" (20 عامًا) تجلس في بيتها بانتظار "الفرج"، إذ لم تتمكن من الالتحاق بالجامعة في الفصل الدراسي الثاني، نظرًا لعدم قدرة والدها على توفير الرسوم اللازمة.

وقالت لـ"فلسطين": "بشق الأنفس استطاعت عائلتي توفير جزء من المبلغ الذي أحتاج إليه للتسجيل خلال الفصل الدراسي الأول، ولكن خلال هذا الفصل لم نتمكن من توفير أي مبلغ، بل بالكاد نستطيع توفير ما نحتاج إليه لأساسيات المنزل".

وأضافت: "أوضاعنا أصبحت صعبة للغاية، وأنا لا أستطيع الضغط على أهلي أكثر من ذلك من أجل الاستمرار بالدراسة في الجامعة".

لن ترضخ ميسون لهذا الواقع، بل ستسعى لتحويله إلى مصدر فائدة، إذ أوضحت أنها ستحاول أن تستفيد من أوقات الفراغ في تطوير مستواها في الجانب الصحفي من خلال استمرار التواصل والاطلاع على المواقع الإخبارية والصحفية، معبرة عن قناعتها بأن تأجيل الدراسة ليس أمرًا خطيرًا أو مضرًا لمستقبلها، خاصة أن كثيرًا من الطلاب والطالبات قد أجلوا دراستهم خلال الفصل الحالي.

بحث عن عمل

من جهتها، عبّرت "مسك عزام" عن حزنها الشديد لاضطراها لتأجيل التسجيل في الجامعة في الفصل الدراسي الحالي، مشيرةً إلى أن الحالة المادية للأسرة هي السبب الرئيس لقرار التأجيل.

وقالت لـ"فلسطين": "سأبحث عن عمل بسيط أستطيع من خلاله توفير المال الذي يجعلني قادرة على إعالة نفسي، خاصة أنني أدرس التعليم الأساسي، وبالتالي قد تستطيع أن أجد وظيفة في إحدى رياض الأطفال".

وأضافت: "الحياة أصبحت معقدة وصعبة لمعظم الغزيين، ومن واجبي أن أعمل على التخفيف من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها عائلتي، خاصة أننا عائلة كبيرة مكونة سبعة إخوة وأخوات، وكلنا طلبة إما في المدارس أو الجامعات".

عملية مترابطة

من جانبه، قال الخبير في المجال الاقتصادي أمين أبو عيشة: إن العملية الاقتصادية عملية مترابطة الأركان، ما يعني أن أي أثر سلبي على ركن من أركانها ينعكس بصورة سلبية على الأركان الأخرى.

وأضاف في حديث لـ"فلسطين": "انخفاض السيولة المصرفية وحسومات الراتب أثّرت بشكل مباشر على منظومة توزيع الدخل الفردي، فبعض الاحتياجات الضرورية أصبحت حاجات كمالية في نظر الموظف أو العامل نتيجة للتراجع العام".

وتابع: "هذا انعكس على مصروفات ونفقات التعليم الجامعي، فمن الطلاب من اضطروا لتأجيل الدراسة، أو الاستدانة لدفع جزء من الرسوم الجامعية".

وأوضح: "المشكلة لا تقتصر على الموظف وعائلته، بل تمتد إلى الحصار المالي الذي عانت منه الجامعات في القطاع، ما أدى إلى تراكم العديد من الأزمات لديها، وزادها الأزمات الأخيرة التي مر بها القطاع".

وبيّن أبو عيشة أن "انحسار عمليات التسجيل في الجامعات أدى إلى انخفاض في إيراداتها المالية، بالإضافة إلى تراجع الدعم الخارجي لها، والذي كانت تحصل عليه من جهات عدة، بالإضافة إلى عدم دفع وزارة التربية والتعليم العالي ما عليها من التزامات للجامعات في قطاع غزة".

رغم التسهيلات

ولمعرفة ما تقوله الجامعات عن هذه الأزمة، تواصلت "فلسطين" مع مدير دائرة العلاقات العامة في الجامعة الإسلامية سعيد النمروطي، الذي قال: إن "القطاع يمر بظروف اقتصادية صعبة تنعكس على كافة شرائح المجتمع بما فيها طلبة الجامعات، إذ تراجعت قدرتهم على دفع الرسوم كاملة والالتحاق بالجامعة".

وأضاف أن الجامعة، نظرًا للظروف الصعبة التي يمر بها الطلبة، قامت بالعديد من الإجراءات التي تسهل عليهم الاستمرار في الدراسة، حيث خفّضت الحد الأدنى لعدد الساعات التي يجب أن يختارها الطالب في الفصل الدراسي ليتمكن من الدراسة.

وتابع: "كل الطلاب مسجلون لدينا حسب شرائح اجتماعية مختلفة، وسمحنا للطلبة بالتسجيل حسب المستوى المادي لهم ولأسرهم، وبالتالي أصبح الأمر أسهل بالنسبة لأغلبهم، إذ يمكنهم التسجيل للدراسة مع دفع الحد الأدنى وفق التصنيف الاجتماعي الذي يسري عليه، فيما يسجل العدد الذي يريده من الساعات".

وبين أن الجامعة حرصت على فكفكة مسألة الرسوم المستحقة السابقة على الطلاب وأن يدفع الطالب نصف الرسوم حتى يواصل العملية الدراسية مما ساعد العديد من الطلاب على الالتحاق بالفصل الدراسي.

من وسائل التخفيف عن الطلبة تسهيل عملية الإقراض عن طريق البنوك دون أي أرباح، فالجامعة تولت التنسيق مع عدد من البنوك الفلسطينية العاملة في القطاع، وعدد من الشركات، حيث يستطيع الطالب تقسيط الرسوم الدراسية دون أي إضافات، وتتحمل الجامعة نسبة الربح والفائدة التي ستدفعها للبنك.

أما فيما يخص المنح التي تقدمها الجامعة، فهناك العديد من الإجراءات التي تقوم بها الجامعة للتسهيل على الطلاب، حيث تم إنشاء صندوق الوقف التعليمي لصالح الطلبة المحتاجين والذي هو برأس مال 300 ألف دولار تبرع به العاملون في الجامعة وعدد من فاعلي الخير.

رغم كل هذه الإجراءات والتسهيلات، فإن الظروف في القطاع صعبة على كل شرائح المجتمع، وما يزال العديد من الطلبة غير قادرين على مواصلة الدراسة، وذلك في كل الجامعات، بحسب النمروطي.

وقال: "الجامعات في القطاع تأثرت بظروف الحصار والوضع الاقتصادي، والجامعة الإسلامية لا تأخذ مستحقاتها من التعليم العالي على غرار الجامعات الأخرى، وهو ما زاد من المشكلات التي تمر بها".

مواضيع متعلقة: