فرص العيش في غزة نادرة ندرة الأزهار في الصحراء

ديفورن : لا أحد يستطيع التنبؤ برد فعل السكان جراء صعوبة الوضع الإنساني في غزة

ديفورن خلال حديثه لمراسل "فلسطين" (تصوير / محمود أبو حصيرة )
غزة - يحيى اليعقوبي

حذر مدير مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة جيلان ديفورن من صعوبة الوضع الإنساني في غزة، مؤكدًا أنه لا أحد يستطيع التنبؤ بردِّ فعل السكان حين يصلون إلى طريق مسدود، مشددًا على ضرورة اتخاذ تدابير تصحيحية أساسية.

وقال ديفورن في حوار مع صحيفة "فلسطين"، إن الوضع الإنساني في غزة يمكن تشبيهه بحياة رجل عجوز شامخ ولكنه مريض، موضحًا أن كل هذه الظروف مجتمعة، جعلت من غزة مكانًا صعبًا للغاية للعيش.

وشدد على أن الحلول الجوهرية لا يمكن أن تأتي إلا من القرارات السياسية الإستراتيجية، التي من شأنها أن تضع الاحتياجات الإنسانية للسكان في مركز الصدارة، مؤكدًا أن ما يحتاج إليه السكان هو اقتصاد جيد، وتخفيف القيود المفروضة على حركة الناس والبضائع، وإيجاد حل للخلافات الفلسطينية الداخلية التي تشلّ اقتصاد غزة.

وفي سياق آخر، نبه ديفورن على أن اللجنة الدولية تراقب من كثب الأحداث وتوثق الاعتداءات الإسرائيلية على المزارعين والصيادين، وتنخرط بشكل ثنائي وغير علني مع سلطات الاحتلال المعنية، معربًا عن قلّه الشديد إزاء تعليق الزيارات العائلية للأسرى المنتمين لحركة حماس من غزة.

وأكد أن مسؤولية توفير الرعاية الطبية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال "تقع على عاتق سلطات الاحتجاز، وليس على اللجنة الدولية"، وقال: "ناقشت بنفسي ظروف المعتقلين في الشتاء معهم مباشرة في أثناء زيارتي لهم في سجني رامون ونفحة ونشارك حوارات ثنائية مع الاحتلال"، وأعرب عن صدمته فيما فعله عضو الكنيست الإسرائيلي أرون حزان بالاعتداء على أمهات الأسرى في أثناء إحدى الزيارات.

وفيما يأتي نص الحوار:

س1: بداية كيف تنظرون سيد "يفورن" إلى الواقع الإنساني في قطاع غزة؟

ج: دعني أشكركم على فرد هذه المساحة للجنة الدولية للصليب الأحمر في جريدتكم الغراء، فالوضع الإنساني في تدهور مستمر، إذ يكافح مليونا شخص في غزة كل يوم لتحقيق طموح أساسي واحد: الرغبة في عيش حياة كريمة. وللأسف فالفرص اليوم في غزة نادرة ندرة الأزهار في الصحراء.

الاقتصاد يختنق، حيث إن 4 من أصل 5 عائلات ليس لها مصدر رزق ثابت ومنتظم، في ظل ارتفاع معدلات البطالة إلى 44٪ في عام 2017 والتي بلغت 66٪ بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 24 عامًا، بينما هناك 20 ألف طالب ومتخرج حديثًا إلى سوق العمل كل عام دون أي فرص عمل.

كما أنه يحصل المعيلون القلائل على رواتب منخفضة جدًا، وغالبًا ما يكونون تحت خط الفقر الفلسطيني، بما ذلك أولئك الذين يشغلون مناصب مؤهلة جدًا، ويقبل العديد من العمال العمل لمدة 10 ساعات يوميًّا مقابل 25 شيقلًا، وبما أن التضامن هو قيمة أساسية في غزة، فإن معيل الأسرة -وعلى الرغم من انخفاض الأجور- عادة ما يعتني بالعديد من الأقارب العاطلين عن العمل.

كما أنه لا تؤثر أزمة الطاقة المستمرة في حياة كل فرد في قطاع غزة فحسب، بل حتى على المفاصل الحيوية للمجتمع مثل المستشفيات ومحطات معالجة المياه والصرف الصحي، التي تعاني من مصادر طاقة غير منتظمة، والتي تجبرها على الاعتماد على المولدات، مما يجعلها في حاجة دائمة وماسة للصيانة.

وهناك، حوالي 10٪ من السكان يحصلون على المياه كل 4 أيام، 30 ٪ كل 3 أيام، 60 ٪ كل يومين، ويتم تصريف كميات كبيرة جدًا من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئيًّا في البحر، مع مخاطر بيئية وصحية واضحة.

وحين الحديث عن المستشفيات فهي تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية، فالأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج المتخصص خارج غزة، على سبيل المثال مرضى السرطان، يواجهون التأخير وعدم اليقين، في انتظار تصاريح السفر التي لا تتحقق في بعض الأحيان.

س2: ما المؤشرات والمخاطر المترتبة على هذا الواقع، والتي يمكن أن تحدث إن لم يتم تدارك الأمور؟

ج: لا أحد يستطيع التنبؤ بردِّ فعل السكان حين يصلون إلى طريق مسدود، لكن اسمحوا لي أن أكون واضحا جدا، من وجهة نظر إنسانية، الأوضاع غير مستقرة إلى حد كبير، ويجب اتخاذ تدابير تصحيحية أساسية.

وفي مواجهة الأوضاع الحالية، تلعب المنظمات الإنسانية دورًا مهمًا ولكننا ندرك بشكل مؤلم أن عملنا يظل قطرة ماء في محيط من الاحتياجات الإنسانية، ولا يسعنا سوى أن نضمد الجراح المفتوحة.

إن الحلول الجوهرية لا يمكن أن تأتي إلا من القرارات السياسية الاستراتيجية، التي من شأنها أن تضع الاحتياجات الإنسانية للسكان في مركز الصدارة، أعلم أن الوضع العام معقد، ولكن بشكل أساسي ومن وجهة نظر إنسانية بحتة يصعب عليّ أن أفهم لماذا يجب على أم الطفل المريض أن ترى طفلها يعاني أو يموت، نتيجة كونه رهينة الجمود السياسي.

ما يحتاج إليه سكان غزة واقتصادها على وجه الخصوص هو تخفيف القيود المفروضة على حركة الناس والبضائع، وإيجاد حل للخلافات الفلسطينية الداخلية التي تشلّ اقتصاد غزة.

س3: هل لديكم إجراءات فيما يتعلق بإجراءات الاحتلال المخالفة للقانون الدولي ضد المزارعين والصيادين والشبان المتظاهرين على الحدود الشرقية لقطاع غزة؟

ج: المدنيون عمومًا -سواء كانوا مزارعين أو صيادين- محميون ولا ينبغي أن يكونوا هدفًا طالما أنهم لا يشاركون في النزاع، يجب أن يكونوا قادرين على العمل في مزارعهم أو الصيد في بيئة آمنة.

تراقب اللجنة الدولية عن كثب الأحداث وتقوم بتوثيق الادعاءات، وتنخرط بشكل ثنائي وغير علني مع "السلطات الإسرائيلية" المعنية، يعتبر المزارعون والصيادون مهمين للغاية بالنسبة لنا وبالنسبة لقطاع غزة ككل، ويجب احترامهم.

س4: فيما يتعلق بمعاناة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال وحرمانهم من زيارة ذويهم؟ هل هناك تغيير في موضوع الزيارات؟

ج: من حق جميع المعتقلين الفلسطينيين أن يتم احترامهم واحترام كرامتهم وحقوقهم العائلية في جميع الأحوال، للمعتقلين الفلسطينيين الحق في تلقي زيارات من أحبائهم، وعلى سلطات الاحتجاز أن تلتزم بالسماح للمحتجزين بتلقي الزيارات العائلية، وفقا لحقوقهم الأسرية، والتي لا يمكن تقييدها إلا لدواعٍ أمنية .

ومع ذلك، تشعر اللجنة الدولية بالقلق الشديد إزاء تعليق الزيارات العائلية للاسرى المنتمين لحركة حماس من غزة، وعن الأثر الإنساني المترتب على هذا التعليق، يعد الحرمان من رؤية الأحباء مصدرًا رئيسًا للمعاناة سواء "للمعتقلين أو لعائلاتهم، وتتابع اللجنة الدولية هذه المسألة المهمة مع السلطات الإسرائيلية".

واسمح لي هنا أن أشدد أيضًا على المعاناة الإنسانية التي لا تحتمل للعائلات الفلسطينية والعائلات الإسرائيلية التي بعد 4 سنوات من نزاع عام 2014، ما زالت تنتظر معلومات عن أحبائها.

ينص القانون الدولي الإنساني العرفي على وجوب أن تسعى أطراف النزاع إلى تسهيل عودة جثث من قُتلوا في أثناء النزاع، والهدف من هذه القاعدة هو تمكين الأسر من دفنها بكرامة واحترام، وفقًا لمعتقداتها وتقاليدها.

نتابع حالات المفقودين عن كثب، يحق لعائلات 19 فلسطينيًا و5 مواطنين إسرائيليين معرفة مصير أحبائهم، ظلت اللجنة الدولية تعمل باستمرار على تذكير الطرفين بالتزاماتهما، ومع ذلك، لا تزال العائلات واللجنة الدولية حتى الآن في انتظار الإجابات.

س5: بعض أهالي الأسرى بغزة يقولون إن الزيارات أصبحت مرهقة لهم؛ لأنها تبدأ من ساعات مبكرة صباحًا ويخضعون لإجراءات تفتيش وابتزازات من قبل الاحتلال؟ ما موقفكم؟

ج: رافقت أهالي المعتقلين في زيارتهم لأحبائهم عدة مرات، إن زيارة أحد الأحباء وهو محتجز رحلة طويلة ومرهقة خاصة لكبار السنّ والأطفال.

تبذل اللجنة الدولية قصارى جهدها لتسهيل هذه الزيارات بكرامة، ويرافق فريق تابع للجنة الدولية العائلات عندما يعبرون إيرز (حاجز بيت حانون) ويعالج المشاكل عند حدوثها.

وتستطيع العائلات أيضًا الاتصال باللجنة الدولية بخصوص أي مسألة تشغلها أو تثير قلقها، لتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من مناقشة هذه القضايا مع السلطات الإسرائيلية المعنية.

س6: بخصوص طبيب الأسرى داخل السجون.. هناك أسرى يقولون إن طبيبًا واحدًا لا يكفي لمتابعة حالتهم في كل معتقل؟ هل هناك توجهات للضغط من أجل زيادة عدد الأطباء داخل السجون؟

ج: شكرا لك على إثارة هذه القضية. من المهم هنا التأكيد أن مسؤولية توفير الرعاية الطبية للمعتقلين الفلسطينيين في "السجون الإسرائيلية" تقع على عاتق سلطات الاحتجاز، وليس على اللجنة الدولية.

لا يقدم طبيب اللجنة الدولية الرعاية الطبية أو العلاج للمحتجزين، كجزء من تقييمها لظروف الاحتجاز، وتراقب اللجنة الدولية بشكل عام الرعاية الطبية المقدمة في أماكن الاحتجاز، وتتناول التوصيات المقدمة إلى سلطات الاحتجاز الاحتياجات الصحية العامة للمحتجزين.

وفي موازاة ذلك، تزور طواقم اللجنة الدولية الحالات الفردية للإضراب عن الطعام بشكل منتظم لمراقبة وضعهم الصحي، ولضمان احترام حقوقهم.

س7: كيف تقيمون تعامل الاحتلال مع الأسرى خلال فصل الشتاء؟

ج: لا تشارك اللجنة الدولية ملاحظاتها علانية، نقوم بزيارة المعتقلين الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية طوال العام، ليس في الشتاء فقط، لمراقبة ظروف الاحتجاز، وضمان احترام حقوق المحتجزين.

لقد ناقشت بنفسي ظروف المعتقلين في الشتاء وكنت معهم مباشرة في أثناء زيارتي لهم في سجني رامون ونفحة، وكما جرت العادة تشارك اللجنة الدولية ملاحظاتها وتوصياتها مع سلطات الاحتجاز بطريقة ثنائية وغير علنية.

س8: هناك اعتقالات يومية لمواطنين فلسطينيين على حاجز بيت حانون منهم يعملون بمؤسسات دولية؟ كيف تتابعون قضاياهم؟

ج: منع الاعتقال في حدّ ذاته لا يقع تحت صلاحيات اللجنة الدولية -بغض النظر عن سبب الاحتجاز، بما في ذلك وظيفة المحتجز- يتمثل دور اللجنة الدولية في زيارة المحتجزين ومراقبة ظروف الاحتجاز، وضمان احترام حقوق المعتقلين.

من أجل إحداث تغيير في حياة المعتقلين في أثناء الاحتجاز، في (إسرائيل) كما في غزة وفي أي جزء آخر من العالم، تشارك اللجنة الدولية للصليب الأحمر حصريًا ملاحظاتها وتوصياتها مع سلطات الاحتجاز.

س9: هل هناك توجهات من قبل الصليب الأحمر لتقديم مذكرة احتجاج دولية ضد الإعدامات الميدانية للمواطنين الفلسطينيين المدنيين بالضفة؟

ج: هذا ليس من دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يتمثل دور اللجنة الدولية كمنظمة إنسانية مستقلة ومحايدة في تذكير الأطراف بالقواعد والمبادئ التي تنظم استخدام القوة في حفظ النظام العام. وبالطبع تتابع اللجنة الدولية عن كثب الوضع الإنساني في غزة وتتواصل مع جميع الأطراف.

س13: في قضية استشهاد الشاب المقعد إبراهيم أبو ثريا؟ هل تنون رفع مذكرة دولية لمحاكمة الاحتلال؟

ج: تحافظ اللجنة الدولية على حوار ثنائي وغير علني مع السلطات المعنية لمناقشة أي ادعاءات، يتمثل دور اللجنة الدولية كمنظمة إنسانية مستقلة ومحايدة في تذكير الأطراف بالقواعد والمبادئ التي تحكم استخدام القوة للحفاظ على الأمن والنظام. ويتابع الصليب الأحمر عن كثب الوضع الإنساني وتتواصل مع جميع الأطراف.