​"عدنان"..العندليب المقهور على أبواب الجنة

غزة - رنا الشرافي

رُبّ صدفة خير من ألف ميعاد، فلولا هذه الصدفة ما كنت لألتقي بهذا "العندليب"، وهو عندليب ليس لجمال صوته، وإنما لجمال روحه التواقة للغناء رغم ما فيه من نائبات تجعل الجبَّار منا وهِنًا، فكيف هو؟

"عدنان" شابٌ في مقتبل العمر، لعله في العقد الثالث من العمر رغم ما في رأسه من شيب، يتحدث بلكنة فلّاحية صعبة، وزاد من تعقيدها، كلماته التي بالكاد ينزعها من فمه عند الحديث.

رفيقي الاضطراري

كان "عدنان" رفيقي الاضطراري في طريق العودة إلى المنزل، وطيلة 40 دقيقة لم يحرمنا من دعائه وغنائه.. روحه بدت طيبة جميلة، وابتسامته تخرج من عينيه الصغيرتين اللتين أسدل الزمن ستاره على جفنيهما.

"الله يعطيك الجنة"، قالها لأحد الركاب ورفع يديه بالدعاء إلى السماء، لعلها تصادف لحظة إجابة، وكلما بادله الراكب -نفسه- الحديث أكثر زاد جرعة الدعاء له، ورفع يديه للسماء أكثر حتى تجاوزتا جبينه.

كفاه كانتا ملتصقتين وفيهما انحناءة السلام، وعليهما تجاعيد ترسم خارطة الوطن الذي هرم أبناؤه ولم يهرم هو بعد، وطن يعيش فيهم رغم الحصار والقهر والفقر والألم، ورغم حرمان هذا العدنان – حسب حديثه- من مخصصات الشؤون الاجتماعية رغم ما فيه من فاقة.

وبين تلك التجاعيد استقرت ورقة بيضاء هي الأخرى انتقلت لها عدوى التجاعيد.. بدا مهتمًا بها، ولم يعطِها لأحد حتى سأله أحد الركاب عن فحواها، فهم "عدنان" السؤال ولكنه عجز عن صياغة جملة مفيدة تعبّر عن واقع الحال، وما كان منه إلا أن دس الورقة في يد السائل ليقرأها.

"أنا زوجة عدنان لدي طفلان، بنت عمرها عام ونصف، وولد عمره شهران ونصف، أحتاج إلى بامبرز وحليب"، ومع كل كلمة منطوقة من الرسالة كان هذا العدنان يرفع رأسه نحو السماء ويخفضه وكأنه يقول: "يا رب"، وما إن أعاد القارئ الرسالة لصاحبها، ضم عدنان كفيه ورفعهما إلى السماء من جديد، وقال: "يا رب الجنة وأشار بسبابته للقارئ".

رد فعله بدا واضحًا، كان يطلب من القارئ "بامبرز" يعود به إلى طفله الرضيع، ويدعو له بالجنة، ثم يعاود الغناء! نعم لم يكن سليم العقل لكنه أيضًا لم يكن مختلًا، بل كان رجلًا بسيطًا وبريئًا دفعنا لسبر غور هذه الشخصية التي لم يشكّ أحد منا بصدق أفعالها، خاصة بعد أن عرّفنا السائق به، حينما قال: "إنه جاري عدنان".

رحلة في غزة

فارسنا "عدنان"، رجل بسيط يعيش في المحافظات الجنوبية من قطاع غزة، متزوج وأبٌ لطفلين كما قالت زوجته في رسالتها، وهو رجل "أرزقي"، يطلب العمل من عائلة مقتدرة تقبلت وضعه الاجتماعي والعقلي وصعوبة النطق لديه، فكانت توكل له بعض الأعمال البسيطة ليشعر أنه يستحق ما يناله من أجر.

استطاع "عدنان" بكرم الناس أن يحيا وأسرته، لم يطلب المعونة من أحد دون أن يطلب معها إيكال عمل له حتى يستحق ما يأخذ، وهذه الحالة الأولى التي أصادفها والتي تطلب المعونة والعمل مقابل هذه المعونة.

والسؤال الذي يطرح نفسه أن رجلًا بهذه البساطة وهذه الصعوبة في النطق ما الذي أتى به من الجنوب إلى مدينة غزة، التي يعدّ أهل المحافظات الجنوبية القدوم إليها "سفرًا ومشقة"؟.. تبيّن لنا أن السائق أحضره معه ليعرفه على مدينة غزة.

رجل يعيش في قطاع غزة، لا يعرف أهم مدينة فيه، وعلى مدار ثلاثة عقود لم يخرج من مدينته التي ولد فيها، يسير في هذه الحياة "مُسيرًا" أينما قسم الله له الخطى مضى، وفي نهاية يومه يعود إلى زوجته بما جادت بها يمينه.

الغنائم للسيدة

نزلت من السيارة وتركت "عدنان" فيها، وأنا أفكر في زوجه وطفليه، وأي مستقبل ينتظر هذه العائلة، وكم من "عدنان" يعيش بيننا ونحن لا نعلم عنه شيئًا؟ وكم من أسرة معوزة لم تطَلها يد الأغنياء؟ وكم من كبد رطبة باتت جائعة لا يرويها سوى الماء؟

إن الحصار الذي ضرب أطنابه على قطاع غزة منذ نحو أحد عشر عامًا ولا يزال، ولّد مئات الأسر مثل أسرة "عدنان"، فإن توافرت لأبنائها الصحة لم يتوافر لهم المال لسد رمق الأطفال، ومن وجد الاثنين فهو في "غِنى"، ومن فقدهما فذلك المكلوم.

انتهت رحلة "عدنان" في مدينة غزة، ودّع الأبراج الشاهقة، والعربات الفارهة، والمطاعم الملقاة على جانبي الطريق، دون أن تُثير شهيته، ليختم يومه عائدًا إلى زوجته وطفليه "غانمًا" عبوة حفاضات وعلبة حليب.. فمن لهذا "العدنان"؟ من يمد له يد العون؟

مواضيع متعلقة: