إقرأ المزيد


​دمعة وابتسامة في ألبوم صور

بلال خالد (أرشيف)
غزة - عبد الرحمن الطهراوي

كان المشهد طبيعيًا تمامًا عندما اقترب المصور والفنان الجرافيتي بلال خالد من أحد الأطفال –ويبلغ من العمر أربع سنوات- ليلتقط له صورة برفقة أحد أقاربه وهو يملأ الكون ضحكًا وفرحًا.

إن أحدًا في هذه اللحظة لم يكن يعلم أن بلالًا أتى اليوم ليتعرف إلى حال "إبراهيم الغول" الطفل الذي كان قد التقط له صورة في الثاني من آب/أغسطس لعام 2014م وهو بعمر أيام، أثناء محاولة رجال الدفاع المدني إخراجه من تحت أنقاض منزله الذي أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية عليه بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، فقتلت فيه شق توأمه "مصطفى" وعشرة آخرين من أهله، وحولته إلى كومة من الخراب.

بين الصورة الأولى والثانية، فارق موحش أوسع بكثير من مجرد زمن، فقبل أن تلتقط الأولى بدقائق كان إبراهيم في حضن أمه يعانق نبض قلبها برفقة أخيه التوأم، يسلمان بعضهما "الوأوأة" بحثًا عن "أمان في دنياهما الجديدة"! بعد لحظات تغير كل شيء، وصار "إبراهيم" بلا أمٍ ولا أب ولا حتى أخ، يحارب الدنيا وحيدًا في كنف أحد أقربائه.

كانت زيارة فنان الجرافيتي العشريني لمنزل "إبراهيم" اليوم، جزءًا من مشروعٍ فني جديد يحمل عنوان "حياة من قلب الموت"، يهدف إلى تسليط الضوء على حال بعض الأشخاص الذين وقعت الحرب على ملامحهم في صورة وقتذاك باللون الأحمر، أين هم اليوم؟ كيف أضحت حياتهم؟ وماذا غيرت فيهم تلك الذكرى السوداء؟

رسالة الصمود

بدأت الفكرة تدور في ذهن خالد عندما وضعت الحرب أوزارها، فانزوى يراجع صوره متسائلًا: "ترى ماذا كان مصير ذلك الطفل المصاب؟ ماذا حدث لتلك المرأة التي كانت تهرول هربًا من قذيفة؟ أين أضحى أولاد ذلك الرجل الذي أفاق بعد مجزرةٍ مرعبة في حيه يتنفس بأعجوبة؟ ليقرر بعد ذلك البحث عنهم، وتسجيل أسمائهم منتظرًا مرور العام.

صحيفة "فلسطين" تواصلت مع خالد، حيث يقيم الآن في تركيا، وقال لها: "كانت رسالتي تتمحور حول نقل صورة هؤلاء الناس كيف عايشوا الحرب، وكيف تمكنوا من الاستمرار بعدها رغم كل ما صعقت بهم من آثار مترسبة نفسيًا في صدور معظمهم حتى هذه اللحظة".

ويلفت خالد إلى أنه يتعمد التقاط صور ضحايا الحرب اليوم وهم يمارسون الحياة، يضحكون، يتأنقون، يفردون أذرعتهم للحرية قافزين عن حواجز اليأس، مؤكدًا أن هذه التجربة علمته أن "الحياة تستمر بحلوها ومرها، وأن على الإنسان ألا يستسلم لأي ألم قد يصيبه، فهذا سيكسره والأصل في الإنسان الإرادة والتحدي".

غزة لا تموت

ولم يكن الطفل إبراهيم الغول هو الوحيد الذي وصل إليه خالد ضمن مشروعه، بل صار ألبومه مكتظًا بصور جديدة لأكثر من 20 شخصًا وثقوا تاريخ الحرب مضرجين بدمائهم، أو يبكون على أحبةٍ تبخروا مع أدخنة القذائف.

وفي صورة أخرى التقطها خالد في حي الزهور برفح، يحاول بعض الأطباء يوم التاسع والعشرين من تموز الحرب، مسح الدم عن وجه وأذني الطفلة سندس ضهير ابنة العام الواحد، التي استشهد كل أفراد عائلتها في قصفٍ إسرائيلي استهدف منزلهم فما نجا إلا هي، تقابلها صورةٌ أخرى لنفس الطفلة بعد أربع سنوات تضحك، وهي تلوذ بعينيها إلى حيث عمتها التي تعيش في كنفها اليوم لتقول للعالم: "أنا هنا، بقيت كي لا يموت حق عائلتي بموتهم".

خلال الحرب لم يتمكن صاحب الفكرة من توثيق أسماء أبطال صوره، ولا حتى عناوين بيوتهم، وهذا ما كلفه جهدًا ووقتًا كبيرين في البحث عنهم بعد مرور كل هذا الوقت، حتى أن بعضهم استغرق عامًا كاملًا حتى وصل إلى من دله عليه. يعلق هنا: "ومن المؤسف أن آخرين وصلت إليهم بعد فوات الأوان، لقد فارقوا الحياة متأثرين بجراهم خلال فترات متفاوتة".

ويتابع: "إن أصعب ما مررت به من مواقف خلال تنفيذ مشروعي هو رفض بعض الضحايا من أبطال صوري العودة بذاكرتهم إلى مربع اللحظة التي التقطت فيها صورتهم الأولى، لا يريدون أن يسترجعوا صورة الموت والدم والدمار"، مشيرًا إلى أن آخرين قرروا أن يبدوا في أحسن حالاتهم في الصورة الجديدة كي يثبتوا للعالم كله أن غزة لا تموت، وأن فيها ما يستحق أن يعاش لأجله.

أبرز القصص التي التقط خالد صورًا لها كانت لشاب يدعى أحمد سلامة استمر في البحث عنه أكثر من 6 أشهر ليجده، كان يبحث عنه من أجل محاولة معرفة كيف كانت تدور الأجواء يوم التقاط صورته خلال الحرب وهو ملقى إلى جانب أخيه الذي قضى شهيدًا تحت الأنقاض، وماذا يريد أن يقول في صورته للعالم اليوم.

وتعرض قطاع غزة في السابع من يوليو/تموز 2014، لعدوان إسرائيلي كبير استمر لمدة 51 يومًا، وذلك بشن آلاف الغارات الجوية والبرية والبحرية عليه، استشهد جراء ذلك ما يزيد على2162 فلسطينيًا وأصيب الآلاف، وتم تدمير آلاف المنازل بين تدمير جزئي وكلي.

مواضيع متعلقة: