عذرًا سيدتي.. طفلك مشوَّه!

غزة/ أسماء صرصور:

أم أنس حامل للمرة الرابعة، وهي تدعو الله مخلصة أن يرزقها طفلًا ذكرًا يكون سندًا لشقيقاته الثلاث كما ترجو، لكنها كانت على موعد مع مفاجأة جعلتها في حالة إنكار وعدم تقبل لما آل إليه حال وليدها، وأفقدتها القدرة على التعامل معه إلا بعد مرور وقت ليس بهيِّن.

أنس وُلِد دون أذنين تمكناه من السمع، فمكان الأذنين مغلق تمامًا، إضافة إلى أنه يعاني عدم وجود سقف حلق لديه، ما يعني طريقة إرضاع خاصة ومتعبة، وزجاجات رضاعة مخصصة، وأشياء كثيرة لم تكن في حسبان أم أنس، لأنها طبيبها لم يخبرها بما يعانيه الجنين، مع أنها كانت تتابع لدى طبيب يملك جهازًا رباعي الأبعاد لتصوير الجنين.

في حالة أم أنس هي لا تعرف إن كان الطبيب أخفى عنها الأمر لسبب ما، أو أنه حقًّا لم يكتشف أي تشوه لدى الجنين، لكن في كلا الحالتين لا تزال تعاني آثار الصدمة.

"فلسطين" تناقش مع الأخصائية النفسية في وزارة الصحة كفاية بركة أهمية إخبار الطبيب للأم بأي مشكلات يعانيها جنينها قبل الولادة، وكيف هي طريقة الإخبار؟ وتناقش كيفية نقل الخبر للأم بعد الولادة إن لم تكن تعرف سابقًا، والتفاصيل تتبع:

المعرفة حق المريض

تقول بركة: "أنا ضد إخفاء الطبيب عن الأم أي معلومة عن جنينها، لأنه من حق المريض وذويه أن يعرفوا كل التفاصيل من الطبيب المختص"، مشيرة إلى أن عدم معرفة الأم بحالة الجنين يعود بآثار سلبية عليها.

وتوضح أن هذا يتعلق بالحالة النفسية للأم فيما يخص أي تشوهات لدى جنينها، ومنها الترتيب الميلادي، فإن كان هذا الطفل عزيزًا على الأم، أو أن جنسه ذكر بين بنات، أو بنت بين أولاد، فهذا كله يلعب دورًا نفسيًا كبيرًا في مدة الحمل، لكونها تحرص عليه، متابعة: "في حال لم تعرف بأمر التشوه سيشكل حدثًا صادمًا بعد الميلاد ويعكس اضطرابات على الأم، وقد تدخل في اكتئاب ما بعد الولادة، وقلق ما بعد الولادة".

وتكمل: "قد تصل إلى رفض كامل للجنين أو الوليد المشوه وأنه ليس طفلها، وربما يكونون قد غيروا الطفل، وهكذا، وتشكك في مهنية الطبيب وقدرته على القيام بدوره، وتسبب آثارًا سلبية على الطبيب ذاته".

وتشير إلى أنه تبدأ لدى الأم حالة من الغضب والعصبية الزائدة، وتتهم نفسها أو تحمل الطبيب المسؤولية، مع أنه قد لا يكون لها أي مسؤولية خاصةً بعد عدوان الاحتلال الإسرائيلي عام 2014 على قطاع غزة فكثير من الأجنة ولدوا مشوهين بسبب ما ألقاه الاحتلال من مواد غير معروفة.

ولفتت إلى أن مشاعر الذنب قد تتطور عند الأم بشكل حاد كنوع من أنواع اكتئاب ما بعد الولادة، وعليه لا تهتم بنفسها، أو بالوليد، وترفض المشاركة المجتمعية داخل البيت، وخارجه، وتتمنى الموت، ولديها قلق مبالغ فيه على وضع الجنين، وربما تتردد كثيرًا على الأطباء، وهذا كله يترك آثارًا سلبية جدًا على الأم ووليدها.

لذا من الأفضل –وفق بركة– ومن الأخلاق المهنية إخبار المريض بالوضع الصحي، دون رعب وتوتر، ولا أمل فارغ، فيجب أن تعرف الأم حالة جنينها قبل الميلاد بكل صراحة وبما يناسب حالتها.

كيف يخبرها بالتشوه؟

وبسؤالها عن كيفية إخبار الأم بتشوه الجنين في أثناء الحمل في حال عرف الطبيب بأمره، تجيب: "وضع الأم وحالتها الصحية وعمرها، كلها أمور تتحكم في طريقة الإخبار"، مفضلة ألا يخبر الأم وهي وحدها بل يطلب منها أن تأتي مرة لاحقة وبصحبتها أحد أفراد العائلة سواء الزوج أو الأم أو الحماة.

وترجع سبب عدم إخبار الأم وهي وحيدة لأنها قد تتعرض لحالة إغماء، أو تدخل في حالة هستيريا، فتضرب نفسها، أو تضرب الطبيب...، ويجب أن يتعرف الطبيب إلى الاستعداد النفسي للأم لمعرفة هكذا خبر، فهل لديها مشكلات ضغط أو في القلب أو التنفس أو السكري، إلخ، حتى يتأكد عند الإخبار أنها مستعدة لاستقبال الخبر.

وتطالب بركة الطبيب باستخدام مصطلحات عامية سهلة، فبعض الأطباء يستخدم مصطلحات عِلمية ترعب الأم، مثل أن يقوم الطبيب بالحديث مع طبيب آخر أو الممرضة التي عنده عن حالة الجنين باللغة الإنجليزية، فتدخل الأم في حالة الرعب، فعلى الطبيب استخدام لغة قريبة من الأم.

وتنبه إلى أنه يجب على الطبيب توضيح مباشر لسبب هذه التشوهات الخلقية، لأن الأم ستعتقد أنها المسئولة عن هذه التشوهات، كأن تعتقد أنها أخذت مسكنات مدة الحمل دون استشارة طبيب، فمن الممكن أن تلقي اللوم على نفسها، لذا من الصواب أن يبين الطبيب أسباب التشوه ووقت ظهوره، حتى لا تدخل الأم في حالة من اللوم والاكتئاب.

طمأنة الأم واجبة

وتلفت إلى أن أول ردة فعل للأم حال علمت بالتشوه، هي حالة الإنكار، فستنكر أن جنينها لديه أي تشوه، فعلى الطبيب أن يبين لمرافقي الأم أن يتقبلوا حالة الإنكار هذه، فلا يجوز أن نقابل إنكارها بالرفض، ونستعين في هذه المرحلة بالبعد الديني والإيمان بالقضاء والقدر، ونهدئ الأم قدر الإمكان.

والمرحلة الثانية بعد الإنكار –كما تصفها بركة– هي مرحلة الغضب، وهنا تكون أقرت بالتشوه، لكنها تكون غاضبة وحزينة دائمًا، وبالتدريج والمساندة المجتمعية تصل الأم لمرحلة القبول.

وفي حال عملت الأم بالتشوه، وذهبت لطبيب آخر غير طبيبها، على الطبيب الجديد في حال اكتشف التشوه، أن يعرف من الأم ما لديها من أخبار عن جنينها، حتى يتحدث بما يصدمها إن لم تكن تعرف كل التشخيص الطبي الخاص بحالته.

وتبين أن آخر مرحلة يجب على الطبيب فيها إخبار الأم بتعاطفه الإيجابي معها، لأنها تتوتر وتقلق على الجنين ونفسها وعلى ردة فعل الوسط المحيط، وتصبح عليها ردود فعل سلبية تجاه الزوج والحماة...، فعلى الطبيب أن يطمئنها بناءً على الفحوصات التي أمامه عن حالة الجنين، وبناءً على خبراته السابقة من حالات مشابهة، ويعرضها الطبيب على الأم لتطمئن أكثر، حتى لا تحاول الأم أن تؤذي نفسها أو تؤذي الطفل في بطنها.

وتستدرك بركة: "لكن على الطبيب ألا يعطي أملاً في طفل ليس لديه أمل في الحياة، حتى لا تصدم الأم، بل بالعكس عليه أن يستثمر الفرصة ليهيئ الأم لما يمكن أن تؤول إليه الحالة حتى تتقبلها الأم تدريجيًا إلى حين موعد الميلاد".

راعوا الأم جيدًا

كل ما سبق تحدثت به الأخصائية النفسية فيما لو كان الطبيب يعرف بأمر التشوه قبل الميلاد، لكن ماذا لو أن التشوه لم يظهر سوى بعد الولادة؟ كيف يتصرف الطبيب وطاقم التمريض؟ وكيف يخبرون العائلة والأم بأمر التشوه؟

تقول بركة: "على الطبيب إخبار الأهل بدايةً، حتى نعطي فرصة للأم لتسترد عافيتها بعد الميلاد، فالأم تحتاج 6-12 ساعة لبعد الولادة حتى لا تتعرض لمضاعفات ما بعد الولادة، كارتفاع الحرارة والضغط...، فعلى الطبيب هنا إخبار شخص مقرب على انفراد بالخبر، ثم يحضر الشخص أمام الأم بعد أن تسترد جزءًا من عافيتها، ويخبر الأم، بنفس القواعد السابقة التي تحدثنا فيها.

وتشدد أنه لا ينتهي الأمر عند ولادة الطفل المصاب بالتشوه، وإخبار الأم، بل لا بد أن تكون هناك مرحلة متابعة من الدائرة المقربة والأهل بعد الولادة، لأن هناك أمهات حتى في ولادة طفل طبيعي يدخلن في اضطراب ما بعد الولادة، فما بالك عندما يكون الطفل مشوهًا، وقد يلقي الزوج عليها كل العبء.

وتوضح أنه على الأهل التركيز على بعض الأمور، كمزاجها بعد الولادة هل هي مكتئبة وحزينة أم سعيدة وتضحك دون سبب، وممارستها للأنشطة داخل البيت هل تمارسها طبيعيًّا؟ لأنه في بعض الحالات قد تترك الأم الطفل المشوه دون اهتمام أو رعاية أو تحاول إيذاء نفسها والطفل، وقد تصل لحالة تمني الموت نظرًا للحالة التي تعيشها.

وتلفت إلى أنه يجب التركيز على طبيعة علاقتها الاجتماعية هل هي متواصلة اجتماعيًا أم انعزلت عن المجتمع، كذلك طبيعة تعاملها مع هذا الطفل المشوه هل كباقي الأطفال أم لا؟ هذه الأمور لا بد من التركيز عليها في الشهر الأول، فإذا لاحظ الأهل شيئًا غير طبيعي، فمن الضروري استشارة أخصائي نفسي، لأن الاكتشاف المبكر للاضطراب النفسي أفضل جدًا، ويكون علاجه سريعًا وإيجابيًّا، أما إذا تأخروا عليها من الممكن أن تؤذي نفسها وطفلها.