إقرأ المزيد


دائرة الطباشير التي رسمها نتنياهو...

سهيل كيوان
أربعاء ٢٨ ١٢ / ٢٠١٦


تشبه علاقة بيبي نتنياهو وحكومته بالفلسطينيين قصة العصابة التي احتلت قرية، ثم رسمت دائرة من الطباشير في ساحتها، وأمرت أهل البلدة المكوث داخلها. سنت العصابة قوانين أسمتها قوانين الدائرة ويعاقب كل من يتجاوزها، ومع مرور الوقت على الموجودين داخل الدائرة صاروا يعتبرون وجودهم داخلها بديهيا وأمرا قانونيا، بينما تسيطر العصابة على بيوت وأرض وأشجار وطرق ومياه وهواء ومؤسسات وخيرات القرية، وتعتدي بين حين وآخر على القائمين المتذمرين داخل الدائرة وتنكل بكل من يفكر بالخروج منها.

في البداية، كان إذا حاول أحدهم إخراج قدمه من الدائرة عاقبته العصابة بضربه وإهانته أمام الجميع وعزله عنهم، ورغم ذلك ظهر عدد لا بأس به ممن حاولوا الخروج متحملين دفع الثمن معنويا وماديا، فقررت العصابة عقوبات جماعية، كلما حاول أحدهم الخروج من الدائرة عاقبت الجميع دون تمييز.

هكذا صارت مهمة معظم من في الدائرة المحافظة على الوضع القائم ومنع أي واحد منهم أن يُخرج قدمَه أو رأسه من الدائرة خشية العقوبات الجماعية، بل وصار بعضهم ينظّر ويتهم من يخرج قدمه بالخيانة والتسبب بكارثة وبعدم المسؤولية، ووصل الأمر بالبعض أن نسي العصابة وما تفعله بالقرية وبيوتها وأرضها وأحيائها ومواردها وأهلها، نسي أنه سجين قوانين فرضت عليه، لم يعد همّه سوى محاربة أولئك الذي يفكرون أو يحرضون على الخروج من الدائرة، بزعم تحسين ظروف الإقامة داخل دائرة الطباشير، إلا أن العصابة كانت ترسم دوائر جديدة أضيق وأضيق من الأولى.

انتفخ وتعاظم 'الأنا' (إيغو) عند رئيس العصابة المدعو بيبي نتنياهو بصورة كاريكاتورية كلما تضاءل الـ'إيغو' لدى المتعاملين معه، مثلا شخصية أوباما الضعيفة جعلت بيبي ينظر إليه نظرة عنصرية عرقية، وعندما لم يستخدم الـ'فيتو' لأول مرة منذ خمسة وثلاثين عاما لصالح العصابة، أصيب بيبي بنوبة غضب شديدة مثل الطفل المدلل الذي يُحرم فجأة من لعبته المفضلة، واستدعى سفير أميركا العظمى لتوبيخه، بل وقرر معاقبة العالم كله.

نعم... التجمع أساس مصائب العرب واليهود.

نواب التجمع خونة، ليس لديهم أي ولاء لدولة (إسرائيل)، يخدمون من يريدون إبادة دولة (إسرائيل). نواب التجمع لا يخدمون شعبهم الذي صوت لهم، بل يخدمون أجندات حماس والجهاد والجبهة الشعبية، هؤلاء هم تركة المؤسس الخائن لـ(إسرائيل) عزمي بشارة.

كيف لا ورئيس أكبر دولة عربية يتذلل لاسترضائه، وبعض أصحاب القضية ينسقون معه أمنيًا، والجميع داخل وخارج الدائرة منقسمون ويتصارعون مع بعضهم البعض، والتعاون الدولي مع العصابة على أشدّه من تحت وفوق الطاولة، بالعربي والأعجمي والإفرنجي، فهناك مصالح متبادلة بين العصابات على مختلف ألوانها لا يمكن إنكارها.

الحق يقال: إن الديمقراطية مضمونة ضمن الدائرة، تتحدث مثلا عن أن هذه العصابة أفضل بكثير من عصابات أخرى، وأن وضعك في دائرتك أفضل من جهنم التي يعشيها السوريون مثلا، وضع دائرتك أفضل من دوائر المخيمات في لبنان، ومستوى معيشتك أعلى من مستوى دائرة المصري أو الأردني أو السعودي أو المغربي أو اليمني أو السوداني أو الصومالي أو التونسي وغيرهم.

ومما يثير الالتباس أن لسكان الدائرة تمثيلا في برلمان العصابة، يراه العالم من بعيد، فيشهد بديمقراطية العصابة، وممثل سكان الدائرة يستجوب بشكل مرتب عن حقوق سكان الدائرة الطباشيرية، فيقوم أحد ممثلي العصابة ويعلن أن المشكلة قيد الحل، وعادة ما يتهم سكان الدائرة بالتسبب بالمشكلة وعدم التزامهم بقوانين الدائرة.

مسموح لك أن تتهم العصابة بالعنصرية، ولكن ممنوع أن تقاوم العنصرية، إلا ضمن قوانين دائرة الطباشير نفسها، وأخطر خطوة ممكن أن تفعلها هي أن تُسمع العالم بحقيقة ما يدور، وتطالب بمقاطعة أو معاقبة العصابة، حينئذ تتهم بدعم الإرهاب وبأنك داعشي الهوى حتى من قبل بعض سكان الدائرة.

القوانين تزداد رداءة وسفالة يوما بعد يوم، والدائرة تضيق أكثر وأكثر، إلى أن أعلنت العصابة التي يرأسها بيبي نتنياهو بأن أهل القرية الأصليين غرباء وطارئون، وصار يطالب العالم كله بالاعتراف بشرعية التضييق عليهم وخنقهم حتى لا يبقى لهم مفر سوى الرحيل بعيدا عن ما كان يوما ما وطنهم وبلدهم.

ورغم ذلك، هناك من يحاولون كسب عطف وودّ العصابة بالنفاق وعمل حركات بهلوانية، ويؤكدون ليلا ونهارا بأنهم ملتزمون بالقوانين، ينبذون كل من يحاول الخروج منها ويحرضون عليه وقد يؤذونه، آخر من حاول اختراق هذه الدائرة هو د. باسل غطاس، فاتهم بالخيانة العظمى بإجماع كل مركبات العصابة، وتعرض لهجوم بعض أبناء جلدته لأنه تجاسر، وتنصّل البعض من هذه المحاولات واعتبرها مستفزة ومثيرة لغضب العصابة ونقمتها، وأعلن كثيرون براءتهم منه بحجة تجاوزه القوانين كما لو كانت منزلة من السماء، ولكنه أفرح كثيرين ما زالت شعلة الحرية تتلظى في دمائهم.