إقرأ المزيد


​بين عدم المجاهرة بالمعصية والنفاق شعرة لذا احذرها

صورة تعبيرية عن النفاق
غزة - هدى الدلو

نرى بعضًا يخفي معصيته عن الآخرين من باب عدم المجاهرة بالمعصية، وهتك ستر الله عليه، ولكن عندما يكون في جماعة يعمل على إظهار نفسه أنه أشرف خلق الله ولا يعصي الله، ويتحدث أمامهم ناصحًا بعدم ارتكاب المعاصي، متناسيًا ما يقوم به وأن الله منَّ عليه بالستر، فهل يتعارض عدم المجاهرة بالمعصية وهذا السلوك؟، وكيف يمكن للإنسان عدم المجاهرة بالمعصية دون الدخول في دائرة النفاق؟، هذا ما نتحدث عنه في السياق التالي:

قال الداعية عبد الباري خلة المحاضر في كلية الدعوة للدراسات الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: "يقول الله (تعالى): {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}، فالطاعة راحةٌ للقلب وانشراحٌ للصدر وطمأنينة للنفس، وإن للأعمال الصالحة أثرًا في زكاة القلبِ، لقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا}".

وبين أن الطاعة قوةٌ في البدن وبركة في الرزق، وأن نبي الله هود (عليه السلام) كان يوصي قومه بالطاعة والاستغفار لينالوا البركة، قال الله (تعالى): "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ"، والطاعة سكينة وراحة ومحبة في قلوب الناس.

وأضاف خلة: "فالمعصية كل مخالفة لأمر الله وهي ضلال ووصْف قبيح لصاحبها وهي خلاف الطاعة، إذ تهلك النفس، وتقسي القلب، وتمنَع بركة الرزق"، مشيرًا إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد حذر من ذنوب الخلوة والسر، فعَنْ ثَوْبَانَ (رضي الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) هَبَاءً مَنْثُورًا"، قَالَ ثَوْبَانُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ"، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا".

وقال: "إنه إذا خلا عبد الله بمعصية الله فما هو إلا أحد رجلين: إما رجل يعلم أن الله لا يراه ولا يعلم بحاله، فهذا كافرٌ بالله العظيم لإنكاره علم الله (تعالى) المحيط بكل شيء، وإما أنك تعلم أنه يراك ومع هذا تجترئ على معصيته، فأنت _والله_ جريء، وقد أجمع العارفون بالله على أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات".

وتابع خلة حديثه: "فمن استهان بِنظر الله له، وربما جعله أهون الناظرين فهذا شأن المنافقين، الذين إذا خلوا بِمحارِم الله انتهكوها، أما إذا ارتكب العبد ذنبًا من غير استهتار ولا استحقار بل بسبب غفلةٍ أو نسيان فهذا من العصاة لا من المنافقين، لكن عليه ألا يزكي نفسه ولا يحدث أنني أفضل الناس فلا أرتكب ذنبًا ولا معصية، لأن هذا كذب وكبر، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، وعلى الإنسان أن يعترف بالتقصير وعليه أن يخفي ذنبه ولا يبديه".

وبين أن العاصي الذي يخاف الله هو الذي يخفي المعصية خوفًا من الله أولًا، ثم خوفًا من علم الناس ثانيًا، وحتى لا يكون من المجاهرين والمتجرئين على الله، أما المنافق فلا يخاف من معصية ولا يؤمن بالدين أصلًا، بل هو يخاف أن يظهر كفره وأن يعلنه، فربما كتم معصيته خوفًا من الناس لا الله.

ولفت خلة إلى أن العاصي مهما بعد عن الله فإنه يعود ويرجع ويتوب، أما المنافق فليس من شأنه ذلك بل يعصي ويرتكب الكبائر ولا يفكر في الذنب والمعصية، لأن قلبه لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

وختم حديثه: "فالتوبة من المعاصي والذنوب واجبة على المسلم، قال الله (تعالى): "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، وقال أيضًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا".