إقرأ المزيد


بين ضفتي الأطلسي.. من تبقى من داعمي "الدولة الفلسطينية"؟

هشام منور
ثلاثاء ٠٧ ٠٣ / ٢٠١٧

مع مباشرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمهامه في سدة الحكم بالبيت الأبيض، ومقابلته رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وتوافقه معه على معظم الأفكار التي طرحها، تبدو القضية الفلسطينية مقبلة على واحدة من أحلك أيامها التي عرفتها خلال تاريخها الحديث، بعد أن التقت واشنطن مع تل أبيب على أرضية واحدة، وانتقلت العلاقة من "التحالف" إلى "التأييد" المطلق!.

السياسة الأوروبية تجاه فلسطين وإن كانت قد عرفت بعض التباينات تجاه فلسطين، نتيجة اختلاف المصالح والقرب من الملف الفلسطيني وقوة العلاقة مع حكومة الاحتلال، إلا أن الموقف الأوروبي ظل أقرب إلى فلسطين والشعوب الأوروبية أكثر منافحة عن هذه القضية العادلة، منه إلى التأييد المطلق الأمريكي.

إذا كانت سياسة أوروبا تهدف إلى إقامة دولتين وتسهيل إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة، فعلى أوروبا أن تتبنى موقفا سياسيا مستقلا يتجاوز الأمريكيين، خصوصا في عهد ترامب. ويتوجب على السياسة الأوروبية أن تصيرَ أكثر حزمًا وفرضًا للعقوبات إذا ما أرادت أن تحمِلَ كيان الاحتلال على تقديم تنازلات جادة من أجل السلام.

إذا حقق الرئيس ترامب تصريحاته حول التخلي عن حل الدولتين، فسيكون بذلك قد كسر قاعدةً ثابتة في السياسة الخارجية الأمريكية. وبحسب رأي أغلب المعلقين فإن ذلك سيتطور باتجاه توسيع غير مسبوق في بناء المستوطنات وشرعنة ذات أثر رجعي للبؤر الاستيطانية البرية على الأراضي والممتلكات الفلسطينية.

وعلى عكس جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين الذين وصفوا "المستوطنات كعائق للسلام"، يودّع دونالد ترامب هذا الخطاب السابق قائلاً إن المستوطنات "قد تكون ربما غير مفيدة للسلام". لكن هذا يعني أيضاً إمكانية بناء المستوطنات إلى أجل غير مسمى. بناء على ما تقدم، لا بد لأوروبا أن تعترف بأن النهج القائل إن "الولايات المتحدة الأمريكية هي القائدة" في حل هذا الصراع هو نهج محكومٌ عليه بالفشل، وأن احتمالات السلام خلال رئاسة ترامب تساوي الصفر على الأرجح. لأن نهج القيادة الأمريكية يعطي المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الوقت لترسيخ نفسه، ويلغي بوتيرة متزايدة إمكانية حلِّ الدولتين. وقد بات من الجلي بعد عقدين من المفاوضات الثنائية الفاشلة برعاية أمريكية أن القيادة الأمريكية لجهود حل الصراع عبثية وتُفضي إلى نتائج عكسية.

سياسة أوروبا الهادفة إلى إقامة دولتين تدفعها على أوروبا إلى تبني موقف سياسي مستقل يتجاوز الأمريكيين. وينبغي أن يستتبع جوهر السياسة الأوروبية ما هو أكثر من إحداث تغييرات في مبادئ الاتحاد الأوروبي التوجيهية بشأن المشاركة في برنامج أفق 2020 الذي يستبعد المستوطنات، أو اشتراط وضع علامات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية مع السماح باستمرار التجارة فيها.

دراسةٌ أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تموز/يوليو 2015 رأت أن ثمة فرصةً كبيرة لزيادة عزلة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بتوسيع نطاق التفريق القانوني بين كيان الاحتلال والأراضي المحتلة في القانون الأوروبي بحيث يشمل إعادة النظر في "تكامل القطاعين الماليين الأوروبي والإسرائيلي، وصفة المؤسسة الخيرية التي تتمتع بها في الاتحاد الأوروبي المنظماتُ الداعمة للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وصلاحية الوثائق القانونية التي تصدرها السلطات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة داخل الاتحاد الأوروبي".

وإذا كان تأثير أوروبا في هذا الصراع لا يكاد يذكر، فذلك يرجع إلى اتكال أوروبا على قيادة مخطئة لفترة طويلة جدًا. هذا الخطأ المأساوي التاريخي يكلَّف دافعي الضرائب الأوروبيين المليارات، ويُفضي إلى واقعٍ يناقض تمامًا ما أراده صانعو السياسة الأوروبيون. وبعد 23 عامًا، أسفر الاعتماد على "القيادة" الأمريكية إلى إنشاء "بانتوستانات" فلسطينية كثيرة تحيطها قوة احتلال عسكرية لا تزال تفرض احتلالها وتفلت من العقاب، ويمولها دافعو الضرائب الأوروبيون، إذا ما علمنا أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه يتصدرون الآن قائمة الجهات المانحة للفلسطينيين. وما انفك كيان الاحتلال يواصل التوسع في مشروعه الاستيطاني ويعززه، بدعم من قطاعات واسعة من عامة الأمريكيين.

تشترك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هدفٍ يتمثل في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ضمن إطار حل الدولتين. غير أن الفشل المتكرر لجهود الوساطة الأمريكية، واستقالةَ مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، يخلق واقعًا مضادًا يُملي بأنه لن يحل السلام في المستقبل القريب، أو ربما حتى في حياتنا.

أمريكا تشدُّ على يد الاحتلال. وأوروبا تدعمه ماليًا عن غير قصد. وهذا المنطق المؤسف هو وصفٌ دقيق للواقع الراهن. ولأن الولايات المتحدة ما فتئت تدعو إلى عدم التدخل، وتقول إن "القرار بيد الطرفين", لا يكاد يوجد دافع يحمل الاحتلال على التنازل، في حين يُترك الفلسطينيون ليأسهم بلا حولٍ ولا قوة، رغم أنهم من المفترض أن يكونوا "محميين" بموجب القانون الدولي.

ينشغل المعلقون في الحديث عن عملية السلام "الميتة"، ويوزعون اللوم على هذا وذاك لفشلها، قلةٌ فقط يجرؤون على قول ما لا يخفى على أحد وهو أن أمريكا جزء من المشكلة، وليس الحل. فتعنت الاحتلال وانتهاكه الصارخ لحقوق الإنسان يزداد لإيمانه بأنه مهما فعل، فإن الولايات المتحدة سيحميه دومًا من أي تأنيب جاد، في حين ينبع يأس الفلسطينيين من قناعتهم بأن دعم أمريكا الغامر لكيان يجعل المفاوضات عقيمة، لأن الاحتلال لا يكاد يجد ما يحمله على التنازل حين يُغدَقُ عليه المال والسلاح والدعم السياسي كما هي الحال الآن.

في أيار/مايو من العام نفسه، وقفَ أعضاء الكونغرس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 29 مرة مصفقين بحرارة وهو ينبذُ على الملأ موقفَ الرئيس أوباما الذي يرى أن حدود 1967 يجب أن تكون أساس التسوية النهائية. وعلى النقيض، اتجه الأوروبيون نحو الاعتراف بدولة فلسطين. وصار اعتراف السويد والفاتيكان بفلسطين رسميًا الآن، في حين أن برلمانات المملكة المتحدة وآيرلندا وإسبانيا وفرنسا ولوكسمبورغ والبرلمان الأوروبي وافقت جميعها على الاعتراف بفلسطين.

تقدم الولايات المتحدة دعمًا قويًا لإسرائيل، بينما يحاول الاتحاد الأوروبي تنظيف الفوضى التي تخلفها التجاوزات الإسرائيلية والنفاق الأمريكي اللامحدود. اجتماع الاثنين هو فرصةٌ لدراسة ما يمكن أن يفعله الاتحاد الأوروبي لتغيير هذا الواقع.

حان الوقت كي تمارس أوروبا سياسة الأقوى، وتتولى التعامل مع المحتل، دون انتظار القيادة الأمريكية كي تحقق النتائج. وفي تجارب البوسنة وكوسوفو وتيمور الشرقية وجنوب أفريقيا عبرة إذ تقترح أن توليفةً مضبوطة من العقوبات والعزلة الدولية، وكملاذ أخير، القوة العسكرية سوف تُجبر المحتل أو نظام الفصل العنصري على تغيير سلوكه.