إقرأ المزيد


بين انتفاضتين

لمى خاطر
إثنين ٠٩ ١٠ / ٢٠١٧


مرت قبل أيام الذكرى الثانية لاندلاع انتفاضة القدس، وقبلها ببضعة أيام كانت ذكرى مرور 17 عاماً على انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، وهي التي أفضت إلى تحرير غزة وتفكيك المستوطنات فيها، ثم كان من نتائجها أن فازت حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، بعد أن تعزز حضورها شعبياً نظير صنيعها المقاوم الجبار خلال انتفاضة الأقصى، وكان مشروع المقاومة مسانداً لبرنامجها الانتخابي حينها.

وإن كان لنا أن نتحدث عن تحرير غزة باعتباره ثمرة الانتفاضة الثانية الأهم، فليس لنا أن نغفل الثمار المعنوية لها، وكيف أنها مثّلت رافعة للمقاومة ولمشروعها، وزادت من التفاف الشارع الفلسطيني حول خيارها.

أما انتفاضة القدس، فنشأت في ظروف مختلفة لتلك التي اكتنفت انطلاق الانتفاضة الثانية، وهنا لا بد أن نشير إلى أن هناك من يرى تسميتها بالهبة وليس الانتفاضة، وهو أمر ينطوي على وجاهة، إذا ما نظرنا إلى السياقات التي رافقتها حتى الآن، وإلى كونها لم تحدث تغييراً جذرياً على الصعيد الاجتماعي والمعيشي، ولم تتطور وسائلها، ولم تنخرط فيها قطاعات متنوعة من المجتمع الفلسطيني، فنمط الانتفاضة المعروف فلسطينياً طَبَعها في أول شهرين فقط، ثم ما لبثت أن اتخذت شكلاً ثابتاً، قوامه عمليات مقاومة فردية ومتفرقة، مع ملاحظة ابتعادها عن العشوائية خلال السنة الأخيرة.

بالنظر إلى الظروف التي تعيشها الضفة الغربية، كان يبدو أمراً معجزاً أن تحدث فيها هبة شعبية تملك مقومات الاستمرار، بمعنى أن مجرد انطلاق تلك الهبة كان بحد ذاته حدثاً مهماً ذا دلالات لافتة، أهمها تأكيد فشل مشروع التدجين الجاري في الضفة، حتى وإن أثر على قطاعات عديدة في المجتمع وألزمها بقيوده ونمط وعيه ومتطلباته.

فيما كانت ساحة انتفاضة الأقصى هي الضفة الغربية وغزة، فإن انتفاضة القدس اقتصرت على الضفة والقدس، مع إسناد شعبي في غزة، غير أن الأخيرة تطورت أشكال مواجهة الاحتلال فيها إلى الحروب، ولم يعد ممكناً أن يحدث استنساخ متبادل لأشكال المواجهة في كل من الساحتين، ففي الوقت الذي كانت غزة تمضي بعيداً في تطوير سلاحها وإعداد الكوادر العسكرية المدربة لفصائل المقاومة، كانت المقاومة في الضفة تلاحق حدّ الاستئصال، وتُستهدف حدّ التصفية الشاملة، وهو ما أظهر تمايزاً عسكرياً فادح الفرق بين كل من الساحتين، فيما دخلت القدس على خط المقاومة عبر سلسلة عمليات نوعية، وعبر الاعتصام حول بوابات القدس، فحققت إنجازاً مهماً تمثل في إجبار الاحتلال على التراجع عن إجراءاته التي استحدثها بعد العملية الفدائية قرب المسجد الأقصى.

كان أبرز ما ميز انتفاضة الأقصى النمط المنظم لعملياتها، أي العمليات التي تخطط لها وتنفذها الفصائل، وهذه الميزة أدت إلى كثافة العمليات العسكرية، ودخولها مجال التنافس بين الفصائل في بعض الأحيان، إلى أن اجتاح الاحتلال الضفة في عملية السور الواقي، وعمل على تصفية معظم الخلايا التي نشطت خلال الانتفاضة، وهو أمر ظلت الضفة تعاني من تبعاته حتى الآن، وكان من العوامل التي أدت إلى أن تكون العمليات الفردية عنواناً لهبة القدس الأخيرة، وإذا أضفنا إلى ذلك ملاحقة أجهزة السلطة لخلايا العمل المقاوم سنفهم الأسباب التي لا تتيح تطور وسائل المقاومة في الضفة، والمفضية إلى ثبات وتيرة العمليات فيها، وعدم تمكن الفصائل من بناء هياكل عسكرية قابلة للاستمرار والنماء.

بعد عامين على هبة القدس التي كانت في مطلع تشرين الأول عام 2015، لا تزال هناك ثوابت أساسية متعلقة بها قلّ أن يختلف عليها أحد، منها التأكيد على استحالة نفي روح المقاومة من الجسد الفلسطيني وإن تتابعت عليه الطعنات من كل الجهات، ومنها نجاحها في أن تغدو هاجساً يؤرق ليل الاحتلال ومخابراته، وهو أمر يتجدد مع كل عملية نوعية. ولنا أن نتصور هنا كيف سيكون حال الاحتلال لو أن يد هذه المقاومة كانت أشد فتكاً، وصفوفها أكثر تنظيما، ولو كان واقع الضفة أكثر ملاءمة لانتعاش المقاومة وتطورها.

مواضيع متعلقة: