​وعدَ والدته بشهادةٍ "ترفع الرأس" فتمنَّتْ تشييعه بـ"الورد والريحان"​

بـ"عروسته المستقبلية".. هاني أبو صلاح يغلق الحساب مع قتلة شقيقه

خان يونس/ يحيى اليعقوبي:

كانت عقارب الساعة تقترب من طي صفحة تموز/ يوليو حينما عاد هاني حسن أبو صلاح (24 عاما) إلى منزله بعد صلاة العشاء. على عجل ارتدى بزته العسكرية طالبًا من توأمه "آلاء" مساعدته في شد الجعبة المدججة بالرصاص. مازحها : "احزقيها منيح.. كل مرة بتكون راخية"، ثم ذهب نحو والدته فقبَّل رأسها وغادر إلى غير رجعة.

ما إن أشارت عقارب الساعة إلى الثانية فجرًا مع إطلالة أغسطس برأسه، حتى أفزع صوت رصاص كثيف، سمعه والده وأخوه هاني وأهالي بلدة عبسان تزامنًا مع أصوات طائرات استطلاعات وآليات عسكرية، وأضواء إنارة ليلية، تمامًا مثل مشهد عايشوه خلال الحروب السابقة.

تقف والدته على شرفة منزلها يضرم القلق ناره في قلبها خوفا على نجلها، الذي كان دائما يعدها: "حعمل اشي بيرفع الراس، ستة، عشرة جنود ما يكفونيش حتى اشفي غليلي.. مش حستشهد عالفاضي حتسمعيها في يوم من الأيام"، استغربت من خروجه ببزة عسكرية، بعد عودته فجر ذات اليوم من ليلة رباط طالبًا من أمه تهيئة أجواء البيت: "بدي أنام اليوم وارتاح.. محدش يصحيني".

شاردة إلى أنشودته المفضلة: "يا يما أنا شهيد، لبسيني توب جديد وسامحيني"، حتى أنه قبل مغادرته المنزل بساعتين كان يستمع إليها.


جاء أحد أبناء الحي وأخبرهم أن هاني مصاب وسرعان ما بدأت تتوافد نسوة الحي بعد ساعات إلى المنزل ويُعلن عن استشهاد ابنها هاني بعد خوضه اشتباكا مسلحًا مع قوات الاحتلال اعترف الأخير على إثره بإصابة ثلاثة جنود.

رابع أيام العزاء، وصلنا منزل الشهيد الساعة الثانية ظهرًا، أشعة الشمس حارقة، يجلس إخوة هاني الثلاثة لاستقبال المعزين أو المهنئين بالشهيد، خلفهم صورة شقيقهم الذي كان بالأمس بينهم وأصبح اليوم طيفا وذكرى معلقة على حائط.

في صالة استقبال الضيوف بالمنزل أضيفت صورة هاني بجانب صورة شقيقه المقعد فادي, شقيقان تعلقا معا في الحياة، احتضن فادي الأكبر أخاه الأصغر الذي قرر الانتقام له، تجلس والدته التي كانت تروي التفاصيل السابقة، وخلفها نسخة مكررة من صورة هاني المعلقة على مدخل المنزل من حولها أولادها الثلاثة وابنتاها آلاء وإسراء.

أمنية ووصية!

تخرج أم الشهيد عن صمتها وتحبس دموعها التي وحدها كانت تواسيها طوال مراسم العزاء: "بترت قدم ابني فادي (31 عاما) في 14 مايو/ أيار 2008م وأصبح مقعدًا وفي نفس تاريخ بتر قدمه عام 2018م استشهد خلال مشاركته بمسيرات العودة (..) اليوم بعد عام وشهرين جاءني خبر استشهاد هاني: هذا فخر واعتزاز بأن أولادي مجاهدون وشهداء, ما فعله هاني يشرف الأمة الإسلامية".

"لما استشهد زفيني بالورد والريحان" كانت هذه وصية هاني لوالدته.

تشرد بنظراتها ثم تغمض عينيها بشدة يعتصر الألم صوتها: "أتمنى أن يسلمونا جثمانه حتى أزفه زفة شهيد".

لا تزال أصوات الاشتباكات تتردد في أذنيها، مشهد لا تنساه: "من أول صوت رصاصة كان قلبي مقبوضا، تذكرت الحرب.. أجواء طيران. كان مشهدا مرعبا".

تمسك مصحفًا أخضر اللون: "في الصباح جاء رجال وأحضروا لي هذا المصحف وضعه ابني في المكان الذي صلى فيه، واضعًا علامة على سورة التوبة الصفحة رقم (194)".

كيف كان عتاده حينما خرج؟ سألناها لترد: "رأيته خرج بشخصية قوية ببدلته السمراء، كان معه ذخيرة إضافية وأغراض اشتراها قبل فترة كخنجر، وكشاف صغير، ومقص أسلاك كالعنكبوت به أسلاك ومفك وأشياء كثيرة، حينما سألته عنها أجابني: هذه قطع أصلية غالية الثمن".


توأمان وروح واحدة

تقلب توأمه "آلاء" هاتفها المحمول توقفت عند صورة لهاني وهو يبكي بحرقة لحظة وداع شقيقه فادي، تقول: "كوننا توأمين لم نكن نفارق بعضنا، كان حنونا، حينما سمعت صوت الرصاص شعرت وكأن روحي تخرج مني ذهبت مباشرة إلى غرفته وقت الفجر اعتقدت أنه عاد لكني لم أجده. أفتخر بأني شقيقة الشهيد هاني ومن قبله فادي".

تنتقل إلى صورة أخرى لهاني وهو يحمل بندقية، وأخرى مبتسما، وثالثة التقطها "سلفي"، مستعرضة محادثة بينهما على تطبيق "ماسنجر" يومها أخذ عهدا منها: "بدي لفحة سمراء يختي عشان لما استشهد تحطيلي إياها"، كلامه أغضبها وأشعرها بالقلق: "لا يخو بكفي واحد؛ إيش بده يصير بإمي"، فاختصر رده: "هذا البيت حيقدم شهيدين وأمي ستكون فخورة بنا".

"دائما كنت أراه منفردًا يبكي على أخي فادي"، بصوت خافت متألم تستذكر آخر المواقف فتقول: "طلب مني تجهيز عشاء له، وحذرني ممازحا: "لحسن بكرا لما استشهد ما تتحسري علي".

أعادت والدة هاني فتح غرفته المغلقة، أبواب عدة بهذه الخزانة فقدت مكانها بفعل الزمن والقدم حتى باتت عدد فتحاتها أكثر من أبوابها المتبقية، نصف ثيابه مدنية والنصف الآخر عسكرية ، تفتح والدته أحد أبواب الخزانة وتمسك بزة تشبه رمال الصحراء بين يديها رافعة إياها للأعلى: "هذه الملابس رابط فيها قبل يوم، وعندما سألته عن البزة السمراء قال: عشان ما ابينش لحدا".

"حفظ هاني القرآن في الخامس الابتدائي، كان ذكيا, أحب الجهاد وانضم لهذا الدرب عام 2014م، درس الثانوية بالنظام الشرعي لكنه اضطر للعمل لإعالتنا" والكلام لوالدته.

تبرق عينيها بالدموع وهي تتأمل بملابسه: "كنت أقول له بأني سأفرح بك وأزوجك لكنه كان يقول: عروستي المستقبلية هي سلاحي".

تقف عند فرشته التي غادرها ابنها للأبد: "هاني؛ متواضع في كل شيء هنا ينام وكان يأكل مما توفر".

تتقدم ببعض خطواتها لتضع يدها على حاسوبه الذي لطالما كان يصدر منه أصوات أناشيد دينية أحبها ابنها: "كان هاني ذكيًا في صيانة الحاسوب يساعد الناس في ذلك".


مذكرات ومدونات

أحضرت والدته دفتر مذكرات ومدونات عسكرية لابنها مكتوب بآخر صفحة: "سأفعل في يوم من الأيام هجوما على بني صهيون بمفردي"، وورقة أخرى كان قد كتبها هاني الذي عقد العزم مع أصدقائه لإحياء ذكرى استشهاد شقيقه فادي خلال الأيام القادمة، وكتب رثاء له يتعهد فيه بالسير على دربه، كان للشهيد فادي فريق شهداء عبسان لكرة القدم يشارك ببطولات الساحة الشعبية وحينما استشهد تعهد هاني بتبني الفريق وظل يتابعه إداريًا.

رحل فادي وهاني وظلت أمهما وأشقاؤهما الخمسة (ثلاثة أولاد وبنتان) يتجرعون مرارة الفراق، والعيش بين حياة الفقر والضنك في بيت قديم, مهددين بالطرد منه، يصبرون على مرارة الفقر كما الفراق.