​بـركـات.. أيقونة الإبداع في المنتخبات الوطنية

غزة- وائل الحلبي

في عالم الساحرة المستديرة يظهر يومًا بعد يوم اكتشاف لموهبة جديدة تشق طريقها نحو النجومية والتألق لتتربع على عرش النجومية الكروية, لكن المدربين لم يكن لهم الحظ نفسه من الكم الكبير لاكتشافات اللاعبين, إلا أن بعضهم أراد لنفسه أن يكون بين أسماء المدربين التي لا يمكن لها أن تُمحى من ذاكرة التاريخ الكروية, ولعل أبرز هؤلاء مدرب المنتخب الوطني السابق الكابتن عبد الناصر بركات.

مدرب المنتخب الوطني أحد أبرز المدربين الذين تدرجوا في قيادة المنتخبات الوطنية أنهى مسيرته الرياضية لاعبًا في سن مبكرة، بعدما اتجه إلى التدريب في سن 23 عامًا, وهو ما يعد التحدي الأقوى والأصعب لأي مدرب في ظل عدم وجود الخبرة الكافية, لكن بركات كان نموذجًا حيًّا وحقيقيًّا لمسيرة نجاح كتبت اسمها بحروف من ذهب في سجلات تاريخ كرة القدم الفلسطينية.

مسيرة عطاء

بركات الذي يبلغ من العمر حاليًّا 43 عامًا بدأ مسيرته التدريبية في الفئات العمرية الصغيرة لنادي مؤسسة البيرة، الذي حقق معه نجاحات مميزة, خاصة أن فرق الناشئين في البيرة أصبحت تبسط سيطرتها على البطولات الكروية المشاركة فيها, قبل أن يلفت بركات أنظار اتحاد كرة القدم الذي كلفه بتدريب منتخب الناشئين تحت 14 عامًا، الذي قاده في تصفيات كأس آسيا التي حقق فيها نتائج جيدة، وأظهرت تحسنًا ملحوظًا لنتائج المنتخب مقارنة بالنتائج السابقة.

نجاح بركات دفع الاتحاد إلى منحه فرصة أخرى لتأكيد جدارته لقيادة المنتخبات بتعيينه مدربًا لمنتخب تحت 17 في تصفيات كأس آسيا 2011م, التي حظي فيها بركات باهتمام كبير من جانب الاتحاد الآسيوي، خاصة أنه كان أصغر مدرب في البطولة إذ لم يتجاوز حينها 25 عامًا، وقاد حينها منتخبات الناشئين لتحقيق أول انتصار فلسطيني في تصفيات تلك الفئة جاء أمام البحرين بنتيجة 3-2, قبل أن يحصل على لقب أفضل مدرب في التصفيات التي أقيمت في اليمن.

انتقل بركات إلى تدريب منتخب الشباب تحت 19 سنة، ولكنه لم يمكث طويلًا بعدما قرر اتحاد الكرة تصعيده لتدريب المنتخب الأولمبي وبناء منظومة جديدة للأولمبي, الذي قاده إلى التتويج بلقب بطولة النكبة الثالثة بمشاركة عدد من المنتخبات العربية القوية.

قبل أن يبدأ رحلة التحضير للمشاركة في بطولة الألعاب الآسيوية في كوريا الجنوبية عام 2014م، التي شهدت الكثير من النجاحات للمنتخب الأولمبي وللكرة الفلسطينية، بعدما تمكن من قيادة الأولمبي للتأهل للدور الثاني من البطولة، بعدما نجح في التأهل متصدرًا للمجموعة الثالثة برصيد ست نقاط بفوزه على منتخبي عُمان وطاجيكستان وخسارته أمام سنغافورة, ومع خروج الأولمبي من المسابقة على يد منتخب اليابان الذي كان أبرز المرشحين لنيل اللقب ترك بصمة وعلامة واضحة في تطور الكرة الفلسطينية، وبداية مرحلة جديدة من المشاركة المشرفة إلى المنافسة ومقارعة الكبار.

مشوار الفدائي

بركات أصبح أيقونة مهمة في قيادة المنتخبات الوطنية لتحقيق الإنجازات، الأمر الذي جعله الخيار الأبرز أمام اتحاد الكرة لقيادة المنتخب الوطني عقب الخروج من بطولة كأس آسيا 2015م في أستراليا, وفي ظل اقتراب موعد التصفيات الآسيوية المزدوجة لكأس العالم وكأس آسيا أعلن الاتحاد تعيين الكابتن عبد الناصر بركات مدربًا للمنتخب الوطني في شهر مايو عام 2015م.

منذ اللحظة الأولى لتوليه تدريب الفدائي بدأ بركات بناء منتخب وطني شاب، خاصة أن الجيل السابق شارف على ترك المستطيل الأخضر، وأصبح الوطني بحاجة لتجديد الدماء, وهي اللعبة التي أجاد فيها سابقًا بركات مع كل المنتخبات التي قادها.

ومع المخاوف الكبيرة التي أحاطت بتجهيز المنتخب الوطني، وتأخر اتحاد الكرة في ترتيب مباريات ودية للاستعداد إلى التصفيات المزدوجة؛ كان الوطني تحت قيادة بركات يقدم أقوى المستويات، خاصة أن المجموعة ضمت إلى جانبه منتخبي السعودية والإمارات, فعانى الأخضر السعودي على أرضه وأمام جماهيره لتحقيق الفوز على المنتخب الوطني، في أول مباراة افتتح فيها بركات سجل مبارياته الرسمية مع المنتخب.

النتائج التي حققها في التصفيات المزدوجة لم تُثمر الوصول إلى المرحلة النهائية لتصفيات آسيا المؤهلة لكأس العالم, لكنه حل في المركز الثالث وتأهل للمرحلة الثانية المؤهلة لكأس آسيا 2019م, الفدائي حقق في مشواره خلال التصفيات المزدوجة ثلاثة انتصارات، وتعادل في ثلاث مباريات، وخسر في اثنتين.

دخل الوطني مرحلة جديدة من التألق بالتصفيات المباشرة المؤهلة لكأس آسيا تحت قيادة بركات، الذي نجح فيها في إظهار الكثير من التطور على مستوى الوطني، بعد خوضه عدة مباريات ودية، لم يخسر الفدائي خلالها نهائيًّا.

الفدائي حقق خمسة انتصارات متتالية في تصفيات كأس آسيا، ونجح في حجز مقعد للوطني في البطولة التي ستقام في الإمارات 2019م, وكان لبركات الفضل الكبير في تبوء المنتخب الوطني مراكز متقدمة في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، بعدما نجح في كسر كل الأرقام السابقة، وحل الفدائي في المركز الـ82 عالميًّا, قبل أن يتقدم الشهر الماضي إلى المركز الـ80 بفضل حفاظه على نظافة سجله من الخسارة خلال المدة الماضية.

أرقام من مسيرة بركات

المنتخب الوطني تحت قيادة بركات خاض 20 مباراة: 13 مباراة رسمية و7 مباريات ودية أمام المنتخبات, إلى جانب عدد من المباريات أمام أندية أوروبية وعربية خلال المعسكرات التدريبية التي خاضها الوطني على مدار العامين الماضيين.

بركات حقق واحدًا من أبزر إنجازات المنتخب الوطني، وهو تحقيق أطول سلسلة انتصارات متتالية بفوزه في ثماني مباريات متتالية، ستة منها رسمية في التصفيات المزدوجة ومباراتان وديتان, وحافظ على سجل الوطني خاليًا من الهزائم على مدار 12 مباراة ثمانية، فكانت آخر خسارة للوطني أمام الإمارات في التصفيات المزدوجة بشهر مارس 2016م، ومنذ ذلك الحين لم يتلق الوطني أي خسارة في المباريات الرسمية أو الودية.

السجل المشرف لبركات مع الوطني استمر بعدما نجح في قيادة الفدائي لحصد بطاقة الصعود إلى كأس آسيا، أفضل المنتخبات المشاركة في التصفيات، بحصد 15 نقطة من خمسة انتصارات متتالية, ويتبقى للوطني مباراة ختامية أمام منتخب عُمان في شهر مارس القادم.

رحل الآن بركات عن الفدائي، وجاء من بعده المدرب البوليفي خوليو سيزار، دون سابق إنذار للجماهير الفلسطينية، التي نزل عليها الخبر كالصاعقة، وجعل الجميع يخشى رحيل التألق مع رحيل بركات، بعد مشوار دام عامين ونصف عام حفلت بالإنجازات والأرقام القياسية.