​بنت "الاستشهادي".. زرْعُ "المِسك" قد "سما"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

قد يعتقد البعض أن الفقد وغياب الأب يكون سببا للفشل أو التراجع أو الانكسار أمام تحديات الحياة في غياب السند الأول عن البيت، لكن الطالبة المتفوقة في الثانوية العامة "سما" ابنة الاستشهادي في كتائب القسام "رائد مسك" حصلت على معدل 95.3% بالفرع العلمي سبقها شقيقها "مؤمن" قبل عامين بحصوله على معدل 97.1% بنفس الفرع، حيث أثبتا أن الفراق هنا كان دافعا وسببا للتفوق.

قبل ثمانية عشر عاماً التقط الشهيد مسك صورة تذكارية برفقة طفليه، كبر الطفلان وأصبحا شابين والآن حملا تلك الصورة في لحظة تفوق ونجاح، صورة مرت عبر محطات كثيرة ومنعطفات قاسية، تلخص حكاية من الوجع والألم والفراق.

"أحمد الله أنه أكرمني بأن أكون ابنة لهذا الشخص (..) هذه نعمة كبيرة بأن أكون ابنة الاستشهادي رائد مسك" بهذا استهلت سما حديثها الهاتفي مع صحيفة "فلسطين" ومن حولها تعلو أصوات التبريكات من جموع المهنئين المتوافدين إلى منزلها بمدينة الخليل.

ومن لا يعرف والد هذه الطالبة فهو الاستشهادي القسامي رائد مسك الذي نفذ عملية بطولية في التاسع عشر من آب/ أغسطس 2003 بالقدس المحتلة خلفت 21 قتيلا إسرائيليًا، حينها كان عمر سما عامًا وثمانية أشهر.

قبل إعلان نتائج الثانوية العامة مرت ليلة من أصعب ليالي على الطالبة سما، كانت تتوقع بأن تحصل على المعدل الذي حصل عليه شقيقها، فلطالما كانت تراجع ما قدمته من إجابات بينها وبين نفسها، وتحسب معدلها بدقة حتى توقعت المعدل السابق.

لكن ما جعلها متوترة أنها رأت حلما في منامها بأنها ستحصل على معدل 91% وخشيت أن يتحقق الحلم، تقول عن ذلك: "كنت في ترقب شديد وخشيت ذكر أمر الحلم لأي شخص من أفراد أسرتي حتى لا يتحقق، إلى أن جاءت النتيجة بحصولي على معدل 95.3% بالبداية بكيت لأنني أريد أعلى من ذلك".

تصف سما هذا العام بأنه من أصعب سنين حياتها الدراسية، فضلا عن ما صاحبه من ضغوط نفسية، "يا رب تمر هالسنة على خير" لم يغب هذا الدعاء عن صلاتها، وهي تحمل في داخلها وصية والدها وحلم والدتها وشقيقيها مؤمن ومحمد.

وأضافت: "دائما أستذكر وصية أبي بأن نبتعد عن حياة البذخ ونكون علماءً ربانيين وأن نحفظ القرآن الكريم الذي أتممت حفظه قبل عامين، فكلما غلبني اليأس وحاول التسلل إلى وجداني تذكرت تلك الوصية".

"غياب أبي لم يؤثر سلبا علي بل كان يمدني بطاقة لأنني أشعر أن روحه تعيش بداخلنا فكنت أتخطى أي صعوبات تواجهني مستعينة بالله وبالدعاء .. فإذا غاب الأب تولى الرب".

لا تنسى فضل والدتها بل صديقتها، التي لازمتها طيلة فترة الدراسة وكانت تدرسها مادة اللغة العربية، بعد أن هدم الاحتلال بيتهم، وتكفل جدهم (والد أمها) برعايتهم في منزله.

وقالت سما: "والدتي لا يوجد مثلها اثنان، كانت أكبر سند وداعم لي تعينني على الدراسة تشجعني في لحظات التعب، تنصحني، تسأل عن أحوال الدراسة فكانت حاضرة معي بقوة" هنا لم تغفل عن ذكر تضحيات والدتها.

تحدٍّ، وصمود، ومثابرة، ومواجهة، هي عناوين وشعارات رفعتها سما منذ بداية مرحلة الثانوية العامة، لتبرهن لكل من يظن أن الابن بدون والده لا يستطيع النجاح والتفوق، فيما تثبت أمها – كغيرها من زوجات الشهداء – أن نساء فلسطين يحملن راية المقاومة والعلم من بعد أزواجهن، حتى وإن كان الحمل ثقيلا والمهام كثيرة.