​بلوحات واقعية يُخبر "آدم شحادة" العالم بالمظلومية الفلسطينية

غزة - مريم الشوبكي

حينما ترى لوحاته تخالها للوهلة الأولى صورة فوتوغرافية، لدقة التفاصيل فيها، وللواقعية التي تنطق بها، وبعد التركيز فيها تكتشف أنها مرسومة بأقلام رصاص وفحم، ذلك الإتقان في الرسم وصل إليه الفنان "آدم شحادة" بعدما قرر أن يتحدى نفسه وينتصر على مخاوفه، وأطلق لريشته العنان لخوض تجربة "الرسم الواقعي".

جلّ رسومات "شحادة" تحمل رسائل إنسانية فلسطينية بمفهوم عالمي، وفيها خليط من الخوف والظلم والحزن، لأن الرسم يمثل له "إحساسًا"، فهو يضع مشاعره في كل خط ونقطة، لذا من يرى اللوحة يشعر بتلك الأحاسيس.

اكتشفت نفسي

الفنان "آدم شحادة" من حي الزيتون، حاصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية، ظهرت موهبته في الرسم في سن خمس سنوات، وكبرت معه، حتى احترف الفن الواقعي، الرسم التصويري (يُطلق على اللوحات التي تبدو صورة فوتوغرافية أكثر من كونها رسومات).

تحدث شحادة لـ"فلسطين" عن المراحل التي أوصلته إلى احتراف الفن الواقعي، قائلًا: "لعبت الجينات الوراثية دورًا، فأبي رسام، ولكنه يتخصص أكثر في رسم الطبيعة، ومنذ أن كانت سني خمس سنوات كنت أرسم رسومات كتاب الروضة بدلًا من أنتبه إلى دروسي".

وأضاف: "تذكرني أمي دومًا بأول رسمة رسمتها، وهي قبضة يدي، وبعدها أيقن والداي أن لدي موهبة فريدة في الرسم، فشجّعا موهبتي بتوفير أدوات الرسم من اللوحات والألوان، ومع الوقت تأثرت برسم الشخصيات الكرتونية (الأنمي)".

وتابع: "حينما كنت أشاهد لوحات واقعية عبر مواقع الإنترنت كنت أتساءل: (أي رسام يمكنه الوصول إلى هذه الدرجة من الواقعية؟!)، حتى بدأت أكتشف نفسي في الرسم الواقعي".

ومضى قائلًا: "كان لدي مخاوف كبيرة من الخوض في الفن الواقعي، حتى اشتركت في مجموعة في موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) تضم رسامين عالميين صاعدين في هذا المجال، وساعدني في ذلك إجادتي اللغة الإنجليزية، وقررت حينها أن أتحدى مخاوفي، فأخدت خطوة الانتقال من رسم (الأنمي) إلى الرسم الواقعي".

رسالة إنسانية

وبداية الإنجاز الحقيقي لـ"شحادة" كانت حينما رسم لوحة لطفلٍ وسيم اختبارًا لمهاراته في الفن الواقعي، ودُهش حينما أنهى لوحته، إذ وجدها تبدو كصورة طبق الأصل عن الصورة الفوتوغرافية، وانتشرت انتشارًا واسعًا عبر المجموعة وصفحات عالمية أخرى.

كانت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في عام 2014م بداية في تحديد الاتجاه الذي يريد أن يسير فيه، قال: "في تلك الحرب هُدمت غرفتي التي كنت أرسم فيها، وساد جو من الرعب في البيت، وانتقلنا إلى العيش في بيت آخر بعيدًا عن حي الزيتون، هذه المشاهد أثرت في نفسيتي".

وأضاف: "قررت حينها تحديد اتجاهي، وفكّرت في تنظيم معرض أعرض فيه لوحاتي بالفن الواقعي، وباشرت رسم صور الأطفال والناجين من الحرب، وأول رسمة كانت لصورة طفل مصاب من حي الشجاعية، أنهيتها بعد الحرب وانتشرت انتشارًا كبيرًا آنذاك".

وأكد أن الرسالة التي يرمي إلى توصيلها بلوحاته هي "رسالة إنسانية فلسطينية بمفهوم عالمي باللغة التي يفهمها الغرب".

ولتوصيل رسالته كان مما رسمه لوحة بعنوان: "صيف صاخب" لطفلة غزية تضع يديها على أذنيها، وأراد أن تحمل تلك اللوحة نداءً بتجنيب الأطفال النزاعات والحروب، وفي لوحة أخرى رسم فيها طفلًا أسود البشرة، مشبهًا معاناة أطفال غزة بالظلم الذي وقع على الأفارقة.

"فن الواقعية المفرطة ظهر عند انتشار عدسات الكاميرات ذات الدقة العالية، فهي تلتقط صورًا واضحة جدًّا، برجة تجعل الرسام لا يكتفي بالرسم، بل يحاول إبراز تفاصيل الوجه، والتباين الذي يراه من وجهة نظره في الصورة، وهذا النوع من الرسم يجعل الفنان يفكر بالأشخاص ورسالتهم"، وفق ما ذكر شحادة.

ومن الأدوات التي يستخدمها ليصل إلى هذا الإبداع _حسبما بين_ أقلام الرصاص والفحم، وإنجاز اللوحة الواحدة يستغرق نحو 90 ساعة عمل، وبعض اللوحات يصل العمل فيها إلى 170 ساعة.

ولفت إلى أن طريقته في الرسم رسم "جزء جزء"، فرسم العين والتفاصيل التي تحيط بها يستغرق أسبوعًا كاملًا، بمعدل خمس ساعات يوميًّا.

شموس لا تنطفئ

وسر الدقة الكبيرة في لوحات "شحادة" الصبر وتحدي النفس، إضافة إلى الانتقاد الذاتي الدائم الذي ساعده على تطوير موهبته، كما قال.

ومن يدهش لجمال لوحاته لا يصدق أنه لم يتلقَ درسًا واحدًا في الرسم، فالموهبة لديه تشكل 30%، والاجتهاد يشكل 70%، وقد اعتمد في تطوير مهاراته الفنية على مراجع أجنبية.

قال شحادة: "الرسام يجب أن يكون مثقفًا، ومقتنعًا تمامًا بالرسالة التي يؤديها، وعليه تحديد اتجاهه وهويته، فدونهما سيكون مشتتًا".

وأضاف: "السوق الفنية فيها منافسة شرسة، لذا لا يمكن التراخي في العمل، بل على الفنان أن يصقل مهاراته ويطور نفسه بشكل كبير، وأن يهتم بتنوع رسوماته".

وفيما يتعلق بالعقبات التي واجهها في مشواره الفني عبّر عن خيبة أمله لضياع فرصة زيارة البرلمان البريطاني الذي قدم له دعوة لعرض رسوماته هناك، وإلقاء كلمة عن بلده، "وهذه الفرصة لم تحدث من قبل في تاريخ الفن الفلسطيني"، وفق حديثه.

وذكر أن ما أعاقه عن تلبية الدعوة عدم وجود ممول لتلك الرحلة، بسبب الظروف الصعبة التي تعيش فيها غزة.

ويطمح شحادة إلى انتشار لوحاته في كل عواصم العالم، وهو يستعد لإطلاق معرضه الأول "شموس لا تنطفئ"، وسيعرض فيه لوحات رسمها على مدار أربع سنوات، والرسالة التي يريد توصيلها بلوحاته هي أن الأطفال هم الشموس، وانطفاؤهم معناه العدمية، ويقصد الأطفال جميعًا الذين يعانون في أنحاء العالم.

ووجه نصيحة إلى الفنانين الشباب في غزة: "حددوا هدفكم ورسالتكم في الحياة، ولا تنتظروا تشجيعًا من أحد، ولا تعولوا على دعم حكومي أو مؤسسي، واجتهدوا كثيرًا في تطوير ذواتكم".

مواضيع متعلقة: