​بلغة الإشارة.. يتشكل الفخار ويتزين في غزة

صورة أرشيفية
غزة - الأناضول

داخل مشغل صغير لصناعة الأواني الفخّارية، يعمّ الصمت أرجاء المكان؛ إذ يعمل ثلاثة أشخاص من الصم والبكم بدقة وتركيز شديديْن.

يصبّ رائد الوصيفي (42 عاما) عجينة الطينة حمراء اللون، التي خلطّها لتوّه، داخل قوالب على شكل فناجين كبيرة.

بينما ينشغل مصطفى شاهين (31 عاما) بإعادة تشكيل تلك العجينة المرنة، التي أخذت شكل قالب الفنجان، ليحدّد تفاصيلها بشكل دقيق.

أما ثالثتهم، وهي رندة راضي (30 عاما)، فتجلس أمام طاولة تتناثر عليها بطريقة عشوائية ألوان وفُرش تستعملها في رسم منقوشات على الأواني، التي انتهت عملية تصنيعها.

تضع رندة اللمسات الأخيرة على المنتجات الفخارية قبيل وضعها على رفوف المعرض الخاص ببيعها، في جمعية "أطفالنا للصم"، التي التحق بها الثلاثة كموظفين قبل سنوات طويلة.

الجمعية تأسست عام 1992، لمساعدة الأطفال والبالغين الصم وضعاف السمع، في الحصول على فرصهم في التعليم والتأهيل والتدريب المهني.

دورة تدريبية

عبر مترجم للغة الإشارة، يقول رائد للأناضول إنه بدأ العمل في صناعة الفخار داخل الجمعية قبل 23 عاما.

التحق رائد بدورة تدريبية في مدينة الخليل بالضفة الغربية لتعلّم صناعة الفخار.

كانت تلك الدورة خاصة بالأشخاص الناطقين، وكان رائد هو الوحيد بينهم الذي يعانى من إعاقة سمعية.

ويوضح: "في البداية أخبروني أنه من الصعب قبولي بينهم لأني أعاني من إعاقة".

ويتابع: "بذلت جهدا ووقتا طويلين في سبيل إجراء التجارب لصناعة الأواني الفخارية حتّى احترف صناعتها".

ومن مهنة صناعة الفخار، التي يقضي فيها جلّ نهاره، نجح رائد في إعالة أسرته المكوّنة من سبعة أطفال وزوجة.

منتجات للتصدير

يشعر رائد بالفرحة العارمة بعد أن تصل المنتجات التي يصنعها بعناية فائقة إلى أيادٍ غير فلسطينية، خاصة ممن يهتمون بالمشغولات اليدوية.

وحسب الجمعية، يتم شحن بعض المنتجات الفخارية، عبر البريد، إلى زبائن يقطنون خارج غزة، إلى جانب السوق المحلي.

ويقول رائد: "هناك أشخاص فعلا يبحثون عن المنتجات التي يصنعها الصمّ، يعجبون بها كثيرا وتمثّل لهم درسا في التحدّي".

في الجهة المقابلة من المشغل، تضع رندة فنجانا كبيرا على حامل دائري، وتبدأ بنقش الخطوط المتعرجة، لتصنع تحفة في النهاية.

تنسجم تلك الشابة مع عملها كثيرا، حتّى أنها باتت تُبدع في رسم تلك النقوش ودمجها بألوان جذابة.


تضييق الحصار

يجلس شاهين أمام طاولة عليها فناجين مصنّعة من الطينة الحمراء، تحتاج إلى إعادة تشكيل، وخلفه عدد من الرفوف تصطف عليها مئات الفناجين الأخرى، التي تحتاج إلى لمسات نهائية من طلاء ونقوش.

يشكو شاهين من أن الحصار الإسرائيلي والإغلاق المتكرر لقطاع غزة قد يهدد عملهم في وقت لاحق.

ويوضح أن ما يتم إنجازه من أعمال في الوقت الحالي تُستخدم فيه كميات من الطين الأحمر متوفرة لدى الجمعية، وتقترب الكميات من النفاد خلال فترة قصيرة.

تجلب الجمعية الطين الأحمر والأبيض لصناعة الأواني الفخارية من مدينة الخليل بالضفة الغربية.

لكن الجانب الإسرائيلي، حسب شاهين، بات يمنع توريد تلك المواد الخام إلى غزة لأسباب أمنية، بدعوى "الاستخدام المزدوج".

وتحظر إسرائيل دخول مواد إلى غزة؛ بزعم إمكانية استخدامها لأغراض مزدوجة، أي استخدامها في صناعة أسلحة أو متفجرات.

من مهنة الفخار يعيل شاهين عائلته وأطفاله، لكن اليوم تحاربه إسرائيل هو وزملائه في لقمة عيشه، عبر منع دخول الطينة.

وتفرض إسرائيل حصارًا على سكان غزة، وهم أكثر من مليوني نسمة، منذ فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية، يناير/كانون الثاني 2006، وشدّدته في العام التالي، إثر سيطرة "حماس" على القطاع، ضمن خلافات مع حركة "فتح" ما تزال مستمرة.

وبفعل الحصار والانقسام، يعيش قرابة 80 بالمئة من سكان غزة على المساعدات الإنسانية، وفقا للأمم المتحدة.

وارتفعت نسبة الفقر في غزة في الربع الأول من 2018 إلى 53 بالمائة، وتخطت البطالة الـ80 بالمائة، حسب كل من المركز الفلسطيني للإحصاء (حكومي)، واللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة (غير حكومية).

وفقا لتقرير أصدره برنامج الغذاء العالمي، التابع للأمم المتحدة، 19 ديسمبر/كانون أول الماضي، فإن نحو 70 بالمائة من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي.