إقرأ المزيد


​بحّارة والقلوب جبّارة

غزة - حنان مطير

الرصاص من حولِه يتدافع بجنون، وقلبه يكاد ينسلخ عن قفصه الصدريّ فرارًا إلى شاطئ آمن، لكنه ما زال يلفّ جسدَه الصغير حول "موتور" المركب الواقف في عرض البحر المُظلِم.. قذف بنفسِه عليه واحتضنَه بقوّة مغمضًا عينيه حتى كادتا أن تلتصقا.

إنّها المغامرةُ الأعنف في حياة البحّار مصطفى بكر -21 عامًا- حين كان في عمر الثالثة عشرة، فقد كان تيار الهواء شديدًا، سحبَ المركب داخل حدود المحتل الإسرائيليّ، الذي كان ينتشي كلما اشتدّ مشهد الرّعب بعيني البحّارة، فيزداد بإطلاق النار حول المركب عبر مركبهم المطاطيّ -كما يصف مصطفى-، فيما يحاول هو أن يكون درعًا حاميًا "للموتور" من غدر العدو.

"إيش يابا.. المدرسة ولا البحر؟" انتهى الموقف وحلّ السلام في قلب الصغير، سألَه والدُه وهو يضرب على كتِفه بشيء من القوّة ممازِحًا لتكون إجابتُه بابتسامة المتحدي: "البحر.. البحر". ذلك الموقف صبّ على جدارِ قلبِه سبيكةً من فولاذ.

كان مصطفى ينطلق للصيد عصرًا برفقة والدِه الصيّاد عبر مركبهم الصغير فيقضي معه الساعاتِ كلّها، حتى يبزغ فجر اليوم التالي، يعودون للبيت الخامسة فجرًا، فيرتدي مصطفى ملابس المدرسة ويذهب إليها كأي طالب مجتهد.

حاجز الخوف

في رحلاته المستمرة إلى البحر التي امتدت لسنوات طويلة تعلّم مصطفى كل ما يخص البحر ومنها السباحة، يروي: "كان والدي يتركني في البحر وعينُه لا تفارقني، ثم يطلب مني أن أصل للمركب.. فأسبح وأضطر لابتلاع الكثير من مياه البحر المالحة، وأحاول مرة تلو الأخرى، وكم كانت فرحتي كبيرة في المرة الأولى التي وصلت فيها للمركب بنفسي، حتى كسرت حاجز الخوف تمامًا وبتّ سباحا".

لم يعد يهاب الظلمة ولا موج البحر الهائج، يقول: "في عمر السادسة عشرة، وفي شهر شباط/ فبراير البارد هبّت ريحٌ شديدة، وهطلت الأمطار غزيرةً، بعد أن ألقينا بالشباك في البحر، ارتفع الموج وعلا المركب، بات الأمر مخيفًا للغاية، طلبت من والدي أن نقصّ الشّبَك ونغادر البحر فغضب وقال: "اغرق بالبحر ولا تضيع الغزل"، ويقصد الشّباك.. إنّه عارٌ على الصيّاد.

لم ينبس ببنت شفّة فكان كل ما يقوله والدُه مقدّس وله قيمة، يبتسم ويقول: "من يعود بلا صيد أو يعود وقد أضاع شباكه ينعتونه بالهامل، ويعملونه مَسخرة"، لذلك بقينا في البحر رغم خطورة الأجواء، ورحنا نسحب الشباك والمطر ينسكب علينا بشدّة، في حين أنّ مركبًا واحدًا غيرَنا دخل البحر وانقلب على من فيه، لتنقذهم الشرطة البحرية آنذاك".

ويضيف: "تمزّعت أيدينا من الشباك الحادة وتجمّدت أجسادنا بردًا، وتمكننا من العودة بسلام، لنجد الشرطة البحرية وأهلنا وأصدقاءنا ينتظروننا قلقين، المهم أننا عدنا بشبِاكِنا وبالسمك وإن كان قليلًا".

بارعون

عاد مصطفى وإخوتُه ووالدهم إلى البيت وأول ما فعلوه أن أشعلوا المدفأة لإعادة سير الدّم إلى عروقِهم، ثم ألقى الأبناء بأنفسهم تحت الفراش وغطوا في نومٍ عميق، بعد أن سمعوا عتاب أمهم بصوتها المرتفع لوالدهم التي رجف قلبها حين سمعت الحكاية: "أنت مجنون؟ بدك تموّت أولادك؟".. وهو يضحك ويرد: "سيكونون صيادين بارعين، لا تقلقي بشأنهم".

اليوم يجتمع أمام ميناء غزّة كل من الشاب مصطفى بكر وأخيه فخري 24 عامًا، وقريبهما محمد بكر وصديقهم تامر أبو سليمان وجميعهم من سكان مخيّم الشاطئ، يجلسون قرب الشِّباك الكثيرة المتكوّمة، يخيّطون الشباك التالفة في وقتٍ قصير، حيث يعمل أربعتهم لمدة ثلاثة أشهر على بند بطالة أونروا، منتظرين حلول العصر لممارسة عملهم الأساس في الصيد عبر مراكبهم الصغيرة.. هؤلاء جميعهم اتفقوا على أن البحر صبرٌ، ورزق، وقوّة، ومغامرة.