راسمةً لوحة بجمال الخط وعمق المضمون

بعد نسخها القرآن الكريم.. "العقاد" كتبت "ألفية ابن مالك" بخط يدها

خان يونس/ يحيى اليعقوبي:

في غرفتها داخل بيتها الكائن في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، اتسع المكان لموهبة سعدية العقاد (26 عامًا)، التي أخرجت لوحة نصية رسمت فيها جمال الخط، الذي زاد بريقًا مع عمق مضمون "ألفية ابن مالك"، التي كتبتها بخط الرقعة خلال شهرين ونصف.

في هذه الحياة يظل الإنسان مثل قلم الرصاص، تبريه العثرات ليكتب بخط أجمل. "الشاعر يتحدى بشعره والكاتب بقلمه" هذا شعار رفعته العقاد في الحياة، وهي تقول في بداية حديثها إلى صحيفة "فلسطين": "ما دام هناك قلب ينبض هناك قلم يتحدى الظروف والعقبات".

ما سبب اختيار كتابة الألفية؟، لا تخفي العقاد (خريجة إدارة أعمال من جامعة الأقصى) السبب: "ألفية ابن مالك اخترتها تحديًا كبيرًا لي في عالم الأدب والنحو، كي أسلط الضوء على شيء لم يكن في متناول الجميع الآن، عددته شيئًا من التراث، لم يكن هناك تسليط للضوء عليه".

جاءت فكرة كتابة الألفية العقاد بعدما انتهت من كتابة القرآن الكريم، أحبت أن تقدم عملًا مهمًّا بكل مكوناته الفنية، وألفية ابن مالك ألف بيت، وهي فن شعري (منظومة الكافية الشافية) كتبتها العقاد على 100 صفحة، واستغرق ذلك شهرين، واستخدمت في كتابتها عشرة أقلام.

خطت العقاد مشروعها على ورق أسود، تكتب بقلم أبيض، لتمزج جمال الأبيض والأسود، وتكون لوحة نصية بخط الرقعة، تزيدها بريقًا الألوان الفضية والذهبية التي استخدمتها في كتابة العناوين، ولكن هذه المرة بخط النسخ.

ورق أسود مخملي يشبه الليل، لونان ذهبي وفضي، كانت العقاد تشعر وكأنها تتأمل السماء لتضع نسخة من هذا البريق والجمال على أوراقها السوداء، وسبق كل ذلك إعدادها غلافًا يجمع كل تلك الصفحات في إطار.

ضوء خافت

لا يوجد أفضل من سكون الليل لإنجاز الأعمال التي تحتاج إلى هدوء، مثل ذلك فرصة لها لإنجاز مشروعها على مدار شهرين ونصف، وتقول: "كنت أنجز قرابة 5 صفحات في اليوم (...) كانت كتابة الألفية صعبة، لأن كلماتها في منتهى الدقة والصعوبة؛ فهي قواعد نحوية".

في غزة التي تعاني أزمة كهرباء لا تستغرب أن ضوء هاتفها كان مصدر الطاقة الوحيد لها في كثير من الأحيان، لكنها وسط العتمة والظلام ترى نورًا آخر يعطيها طاقة وإرادة أكبر لجعل هذه العتمة ممرًا لإنجاز مشروعها؛ فالكاتب كما تقول "يكتب في الوقت الذي يراه مناسبًا".

"كنت بحاجة لإضاءة قوية، لكون الورق أسود، والقلم قريبًا من اللون الأبيض، لكني تحديت العتمة، وأوجدت النور من مداد القلم" تضيف العقاد.

لكن هناك شيء كانت تخشاه، ترى ما هو؟، تبتسم معترفة: "لأنه لم يكتب أحد الألفية قبل ذلك؛ شعرت أنها لن تحقق الصدى والانتشار الذي حققته حينما كتبت القرآن الكريم، لكن بعدما أنجزتها ونشرتها على صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي أثنى عليها المتابعون، ووصفوا العمل بأنه جهد كبير وإبداع، ما أثار في نفسي الفرح والسعادة، وأشعرني أن كتابة الألفية حققت نجاحًا كبيرًا".

النسخة الأولى

وخلال أيار (مايو) 2015م، كتبت العقاد أولى صفحاتها في كتاب القرآن الكريم بخط يدها، تقول: "بدأت أكتب صفحة حتى ثلاث صفحات في اليوم، ثم زدت عدد الصفحات المنجزة في اليوم الواحد".

ما إن كانت تحط عقارب الساعة رحالها عند الساعة الحادية عشرة ليلًا كانت العقاد تخط بقلمها كتابة القرآن الكريم حتى طلوع الفجر، استخدمت خلال تلك المدة 200 قلم، وعلى أعتاب كانون الآخر (يناير) 2017م أنهت العقاد كتابة القرآن الكريم بخط النسخ بيدها.

وعلى هذا كرمتها وزارة الثقافة الفلسطينية.

أحيانًا يكون أثر التحفيز كبيرًا جدًّا، هناك شخص منحها الثقة بنفسها: "لا تجعلي العقبات تقف بطريقك؛ أنت على قدر التحدي"، وحينما انتهت العقاد من كتابة القرآن الكريم بخط يدها ذهبت تحمله بين يديها ووضعته على مكتب أستاذها الجامعي، ويدعى الدكتور أشرف مشمش الأكاديمي في جامعة الأقصى، لا يفر ذلك الموقف من ذاكرتها: "لم يتوقع ما قمت به، رأى أنني صنعت معجزة، كان هناك كثير من الأشخاص يدعمونني معنويًّا، ولكن الطريق الذي مشيت به والهدف الذي وصلت إليه بفضل كلماته والتقدير الذي منحني إياه".

الخط موهبة نمت مع العقاد منذ الصغر، كما كبرت معها أحلامها، كانت تتابع في البداية أعمال الخطاطين وتقلد خطوطهم، خاصة الخط "الديواني" والخط "الحر"، ثم حصلت على بعض الدورات التدريبية في مجال الخط، ووصلت مع الممارسة إلى هذا النوع وهذا المستوى من الجمال الذي كتبت به القرآن الكريم وألفية ابن مالك. "لما كانت الموهبة موجودة فسأبقى أنجز، والآن أخطط لعمل جديد بخط اليد" بهذا تنتهي قصتها معنا، وتستمر حكايتها مع القلم.