طائرات الاحتلال حرقت مشروعه الاقتصادي

ببقايا منزل مدمر.. استقبل ياسر والدته المعتمرة

غزة/ يحيى اليعقوبي:

حطت سيارتها أمام منزلها عائدة من "الأراضي الحجازية" بعد رحلة شاقة لأداء مناسك العمرة، تنتظر أخذ قسط من الراحة وغفوة نوم قليلة في بيتها المشتاقة إليه منذ 21 يوما، ووقوف عائلتها أمام عتباته بانتظارها، وعبارات "تهنئة على جدران المنزل ترحب بالقادمين سالمين".

لكن الحاجة أم ياسر عبد الحليم لم تجد إلا بقايا منزلها المدمر أمامها.. مشهد وقفت أمامه تنظر وكأنها في حلم أو خيال، حتى أنها اعتقدت أنها أخطأت المنطقة، لولا أن شاهدت ابنها "ياسر" يبكي على أطلاله، بعد أن سوت طائرات الاحتلال منزلها "الجميل" المكون من طابقين بالأرض في الخامس من مايو/ أيار الجاري خلال جولة العدوان الإسرائيلي الأخيرة على قطاع غزة قبل الوصول لمنزلها بساعات فقط.

بداية القصة.. تفقد ياسر عبد الحليم (27 عاما) الذي يسكن في شارع صلاح الدين في حي الزيتون مشروعه الأول في الطابق العلوي من منزله بـ"تفريخ الدواجن" اطمئن على صحة 500 صوص واضعا العلف لها، بعد أن أمضى ساعات عدة سعيدا باستمرار نجاح تربية الفوج الأول لمشروعه منتظرا اكتمال نموه لبدء توزيعه في السوق.

تفاصيل مرعبة

مرت دقائق أخرى، وقبل أن يذهب ياسر لأداء صلاة الفجر، سمع صوت صاروخ أطلقته طائرة استطلاع إسرائيلية، بالغرفة المجاورة لمكان وجوده فوق سطح منزله؛ هرول مسرعاً إلى أسرته في الطابق السفلي، دون علمه أن الصاروخ سقط بجواره، وجد أطفاله يبكون من صوت القصف، حينها أطلقت طائرات الاحتلال دون طيار صاروخا آخر على المنزل المجاور لهم.

"أدركت أن هناك شيئا ما سيتم استهدافه" يقول ياسر وهو يعيد سرد ما حدث لصحيفة "فلسطين"، مضيفا: "حملت طفليّ حنان (3 سنوات) وعامر ( عامان) وزوجتي حملت طفلتي الرضيعة إيلين التي لم يتجاوز عمرها شهرا، نزلنا درجات المنزل مسرعين، وعندما خرجنا من باب البيت وجدنا جميع الجيران يخرجون ويبتعدون كل واحد منهم باتجاه لا يعرفون أين يذهبون".

رعب، خوف، أصوات صراخ، كان المشهد في الخارج، سقط صاروخ آخر في أثناء سيرهم مبتعدين عن منزلهم على بنك القدس المجاور لهم، وكان يوجد على سطحه عائلة كاملة مكونة من نحو 50 فردا نزحت من المناطق الشرقية لحي الزيتون إليه معتقدين أنه أكثر أمنا، قبل أن يشاهدوا الصاروخ يسقط بجانبهم على سطح المنزل.

ابتعد ياسر وأسرته 30 مترا عن منزلهم حتى سقط صاروخ رابع من طائرة الاستطلاع على "ورشة" مجاورة لمنزله، ويكمل: "فهمت أن القصف سيكون لـ"البركس" (..) كل هذا المشهد حدث في أقل من خمس دقائق، لم أستطع إخراج الملفات أو أموالي، عاش الحي لحظات مرعبة، الكل خرج مذعورا، أطفال يبكون، شباب يحملون مسنين، الجميع يهرولون ويبتعدون في جميع الاتجاهات نظرا لتعدد الاستهدافات حتى أطلقت الطائرات الحربية صاروخها المدمر".

مرت دقيقة، انقشع الغبار، فتح ياسر وأسرته عيونهم التي أغلقها صوت الصاروخ الذي هز مشهد الرؤية أمامهم؛ حتى وجد منزله المكون من طابقين وعلى مساحة 225 مترا مدمرا بالكامل مع الورشة المقصوفة.

3 "صيصان" نجت

يرجع بذاكرته لهذه اللحظة وهو يجلس على أكوام من الحجارة التي بقيت من ذكرى منزله ومشروعه، مضيفا بملامح حزينة وكأنه يعيش حلما لم يستيقظ منه: "صدمت من المشهد، فلم أتوقع حدوثه في حياتي؛ دمر الاحتلال منزلنا الذي أعدنا تأهيله وإصلاحه قبل أربع سنوات، ودمر مشروعي في "التفريخ" ولم أهنأ بمشروعي الأول (..) وقد نجا من هذا الاعتداء ثلاثة صيصان بقيت على قيد الحياة شاهدة على الجريمة بعد أن وجدت كل شيء مدمرا".

"ذهب البيت والمشروع ولم تبق أي ذكرى أستطيع الاحتفاظ بها أو شيء يمكن استصلاحه" قالها ياسر وهو يشير بيديه إلى أكوام الحجارة المختلطة بأثاث منزله.

يتابع ياسر ممسكا بيديه فرخ دجاج صغير قتلته طائرات الاحتلال: "كنت مهتما بمجال تفريخ الدجاج منذ سنوات، وظل المشروع بذهني في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، جهزته بإمكانات جيدة، ووفرت كل ما يلزم".

حصل ياسر على قرض لتجهيز مشروع "التفريخ" وتربية الدواجن في جزء كبير من الطابق الثاني في منزله، اشترى علفا بكميات كافية، وشرابات يدوية وأوتوماتيكية، ومد خطوط مياه، ووسائل التدفئة والنجارة والعلاجات، وكل شيء مما تحتاج إليه المزرعة وبدأ مشروعه بتربية 500 صوص، ولكن كل ذلك ذهب مع الريح.

في لحظة تشردت عائلة عبد الحليم كغيرها من العائلات التي دمر الاحتلال منازلها، لم يهنأ ياسر بمشروعه الأول الذي وضع له خطة لتطويره على مساحات زراعية كبيرة، لم تجد والدته مكانا يؤويها بعد رحلة سفر طويلة وشاقة استمرت لواحد وعشرين يوما.

اليوم استأنفت هذه العائلة حياتها لتبدأها من جديد، ببيت مستأجر يجمع شملهم، فهذه الأوجاع التي يكتبها ياسر وعائلته بالصبر وتغلق بالمعاناة من الصعب تعويضها في لحظات وكأن شيئا لم يكن.