باستشهاد عبد الفتاح ما زال البيت صامتًا

غزة - يحيى اليعقوبي


30 آذار/ مارس 2018 ليس كباقي الأيام لدى عائلة "عبد النبي" التي تقطن شمال قطاع غزة، فمع إطلالة الشمس بخيوطها الذهبية؛ عند التاسعة صباحا "أبو علاء" يحث أبناءه على المشاركة بمسيرة العودة السلمية على حدود القطاع مع فلسطين المحتلة سنة 1948.

ذهب "أبو علاء" مع الحافلات حتى وصل عند الحادية عشرةظهرا شرقي منطقة "أبو صفية" شمال القطاع، شاهد جموع المتوافدين، والسواتر الترابية التي وضعها الاحتلال وبقي في المكان حتى صلاة العصر.

محمد (22 عاما) شقيق عبد الفتاح، عاد من عمله في المقاولات إلى منزله ظهرا، وتقابل معه، آخر الحافلات كانت على وشك التحرك لنقلالناس شرقا، على عجلة من أمره قال محمد لعبد الفتاح "هيني فايتك الباص سيتحرك" وغادر.

حدث فارق

الواحدة ظهرا، كان توقيت عودة محمد وعبد الفتاح للمنزل، وكانت والدتهما "أم علاء" قد جهزت الطعام لابنائها ووضعت جزءً خاصا لعبد الفتاح الذي يعمل في أحد مطابخ الطهي بجوار منزله، على عجلة من أمره أكل عبد الفتاح واقفا،بعد أن حلق شعره، استغرب والدته من شدة سرعته.

- يا أمي، إهدا وكل وأنت جالس

نظر إليهاوهو ما زال يأكل..

- بدي أروح هناك ؛ مستعجل

ارتدى عبد الفتاح ملابسه وحذائه الجديد التي اشتراها في اليوم السابق لذلك الحدث الفارق، وصفف شعره وحزم نفسه على الرحيل من المنزل وكان كالعريس الذي يذهب لمقابلة عروسته.

من شدة سرعته لم ينتظر حتى أبناء جيرانه ليذهبوا معا للمنطقة، صعدت والدته لتشاهد ماذا يجري مع ابنها "المسرع"، رأته يركب سيارة بمفرده بدون أحد، وفي هذه السيارة دفع عبد الفتاح 15 شيكلا للسائق كي يوصله وقال له "سأعطيك أكثر إن أردت لكنأوصلني بسرعة".

كان محمد شقيق عبد الفتاح، الذي وصل منطقة السياج الفاصل، يعيش جوا مرعبا، تقدم بين صفوف الشباب في تلك المسيرة السلمية، كان على بعد 300 متر ، يعيش تلك اللحظات مرة أخرى والحزن يكسي عينيه "كان جنود الاحتلال يطلقون النار على المشاركين مباشرة؛ أطلقوا النار على أحدهم وهو رجل كبير السن وأصابته رصاصة بقدمه".

وأمام هذا المشهد، وبمجرد أن تقدم محمد واثنان من الشباب ثلاثة أمتار لاسعاف ذلك الرجل، أطلقت رصاصات أخرى صوبهم مباشرة، يتوقف عند ذلك المشهد "شعرت أن شيئا ارتطم بجسدي، ظنت أنه حجر، لكني أخرجت هاتفي المحمول من جيبي فوجدته متحطما ومتكورا ومعه رصاصة لو اخترقت الهاتف لأصابتني".

هذا الموقف جعل محمد يتراجع للخلف وقرر أن يغادر المكان،وأثناء محاولته المغادرة التقى بشقيقه عبد الفتاح وأراه ماذا حل بالهاتف وأنه نجى من هذه الرصاصة.

- "جوالك فدا الوطن والقدس"

بذلك حاول عبد الفتاح التهوين على شقيقه، وعزم محمد على المغادرة، لكنّ أخاه فضّل البقاء.

أخذ محمد الموضوع بشكل عادي وغادر المكان عائدا لمنزله.

عبد الفتاح الذي عرف عنه المزاحاتصل بعد ذلك الحوار بشقيقته ايمان ممازحا "أجت رصاصة بهاتف محمد وتحطم" نقلت إيمان الكلام لوالدتها التي توقفت نبضات قلبها خوفا من أن هناك شيئا أصاب أحد أبنائها سواءً محمد أو عبد الفتاح وأخذت الهواجس تخيم على تفكيرها خوفا من أن تكون الرصاصة قد اخترقت جسد نجلها بالفعل.

وبعد نحو نصف ساعة، كان عبد الفتاح يشارك الشباب بحماسة وشجاعة في إجلاء المصابين وفي تلك المسيرة السلمية، الجميع اندهش من شجاعته، واتفق الشباب على احضار أحد الإطارات لإشعاله، زحف أحدهم نحو الإطار وحمله وركض به تحت زخات رصاص الاحتلال، بلقطة شاهدها كل العالم اندفع عبد الفتاح نحوه اندفاع الأسود وحمل الإطار عنه معتقدا أنه أصيب، يحدث في ثوان معدودات "أنت مصاب .. فيك أشي" قل "أشهد أن لا إله إلا الله" وظل عبد الفتاح يطلب من الشاب ترديدها ثلاث مرات والأخير يقول له "أنا مش مصاب" حتى اخترقت طلقة من جندي في جيش الاحتلال رأس عبد الفتاح من الجهة الخلفية وخرجت من الجهة الأمامية.

حدس داخلي

وبالعودة إلى "أبو علاء"، الذي سمع صوت تلك الرصاصة وهو يؤدي صلاة العصر بأحد المساجد القريبة من منطقة "أبو صفية" وكأنه حدس داخلي شعر باستشهاد أحد الشباب، ولم يخطر بباله أن يكون نجله، وانهى صلاته وخرج وإذا بهاتفه يرن خرج صوت من الهاتف "ابنك عبد الفتاح أصيب برأسه واستشهد" كان الاتصال كجمرة أكتوى بها قلب "أبو علاء"، وبعد حيرة لعشر دقائق ادارة مشفى "الأندونيسي" شمال القطاع تتصل به ..

المتصل يتحدث بهدوء، قائلا: "إدارة المشفى تريدك أن تحضر الآن".

كان علاء وهو شقيق الشهيد قد وصل المشفى قبل والده وتعرف على شقيقه وضمه بين ذراعيه وتفيض الدموع من عينيه كالغيوم التي تفيض غيث الحزن بصمت يحدث الشهيد "ماذا فعلت بأمك"، وبعد لحظات وصل أبو علاء المشفى ودخل مباشرة للثلاجات ووجد أبناءه علاء ومحمد يجلسون يبكون على رحيل أخ غال بدون وداع.

أما "أم علاء" وبعد اتصال عبد الفتاح، بها ليخبرها عن ما حدث مع شقيقه، ظلت تدور هي وبناتها في صالة البيت لا تعرف ماذا تفعل؟، وماذا يجري في الخارج مع أولادها، إلى أن جاء أحد أبنائها من الخارج واسمه "يوسف" ينادي عليها "يما عبد استشهد" وغادر المنزل، رجفت يداها وقلبها، وأصابهزلزال، زلزل كل مشاعرها، بعد أن أصبح كل شيء بطيئاً، وأصبحت الدقائق والساعات حارقة، تكتوي بتلك الثواني، لتفيض بكلماتها التي لم تهدأ من التفكير، تحدث بناتها ..

- إياكم تصديق كلام يوسف أنتم تعرفون مزحه ..

وظلت "أم علاء" لا تريد مواجهة الحقيقة التي وصلتها مؤشرات عنها، إلى أن بادرت زوجةعلاء الذي يتواجد بالمشفى بالاتصال عليه، تسأله ، "هل عبد استشهد؟"، بالكاد سمعوا صوته من شدة الألم "الله يرحمه" حتى أكد لهم الخبر الذي نزل كصاعقة هزت قلوبهم ووضعت النقطة الأخيرة على ذلك الشك.

ترك عبد الفتاح كل شيء ورحل دون وداع، وهو نفسه لا يعلم أنه سيغادرهم دون استئذان ولا يعلم أنه سيتم غدره من جنود الاحتلال بهذه الطريقة، بيوم بائس عاصف حمل الجرح لوالديه وأخوته وكل من أحبه وعرفه.

استرجعت "أم علاء" بعضا من ذكرياتها الجميلة واللحظات الحلوة التي جمعتها بابنها وهي ترسم لوحة من جراح بدموع تجري هادئة صامتة في نهر من الوجع الذي ضرب قلبها ..

- جاءني قبل يومين من استشهاده يصر على تقبيلي وهو يقول أحبك يما.

كان عبد الفتاح أكثر أخوته طاعة لوالديه وشقيقاته بشهادة الجميع هنا، سريع تلبية النداء، محبوبا شجاعا يحب العمل، حينما وصل إلى المرحلة الثانوية "الصف العاشر" درس "السباكة" في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" لمدة عامين وتفوق فيها، وعمل سباكا لفترة من الوقت وأتقنها وكان يساعد جيرانه في ذلك دون مقابل.

عمل في البناء وأتقنه كذلك، وعمل في مصنع لصناعة حلوى "الجلي"، وبعد آلام تعرض لها من هذا العمل، ذهب للعمل مع شقيقه في محله للمأكولات الشعبية أسفل منزله، وفي أيام الجمعة يذهب للعمل مع جيرانه في مطبخ للمأكولات الشرقية" الطهي"، حتى أطفال المدرسة الابتدائية المجاورة لمنزلهمالذي يشترون منه كل صباح وقفوا في اليوم التالي لاستشهاده ينظرون إلى صورة عبد الفتاح المعلقة على باب منزله، يبكون على رحيله فقبل أيام كانوا يأتون ويشترون منه، وينظر بابتسامة ولطف، لكنها باتت مجمدة في تلك الصورة التذكارية.

سرد الحكاية لم يتوقف، وهذه المرة يبدأ والدهتقليب دفتر الذكريات ليبدأ قص الفصل الأول من حكاية الغياب، ذات يوم كان عبد الفتاح يعاني من ألم برأسه، أجلسه والده بحضنه، يتلو عليه آيات من القرآن الكريم، وعده والده بأن يبني له شقة كأخوته، فقبل رأس والده ووعده أن يعمل، "لما بأطلع برا البيت بحس بدي أعمل كل أعمال الخير؛ البيت يقيدني" قالها حينها والدموع تتسلل من عبد الفتاح رقيق القلب.

- لما أذهب لمنطقة السياج الفاصل سأقود المواجهة وأكون البطل هناك

سيفتقد الوالد كثيرا تلك الجملة، وسيبقي الشريط المصور لاستشهادهبرصاص الاحتلال وهويركض بمنطقة "أبو صفية" ولم يشكل خطرا عليهم.

لاقى عبد الفتاح تضامنا دوليا كبيرا، يذكر الجميع بجيش الاحتلال الذي لا يعرف للإنسانية معنى ولا للبشرية وجود، فهو الذي قتل عبد الفتاح وأضاف جريمة جديدة في سجله الحافل بالجرائم.

صوت "أبو علاء"بدا كجمرة أذابها ألم الفراق قائلا "ذلك الفيديو جعل العالم يستيقظ من نومه.. "لن يمنع "أبو علاء" دموعه من التسلل كلما شاهد ذلك الشريط الذي سيذكره بشريط آخر من حياة ابنه الجميل صاحب الخلق والابتسامة المحبوب من كل انسان، لأن الدموع لا تطلب الإذن من أحد حينما يكون الجرح كبيرا، ولن تنسى "أم علاء" الهدية الكبيرة التي وعدها بها نجلها الشهيد وقال لها "سأقدم لك هدية يشهد عليها العالم" وذلك في مناسبة يوم الأم، وأي شهادة أكبر من التي جئت بها إليها يا عبد "الفتاح".