​بالتحدّي صار أستاذاً جامعياً

المحاضر الجامعي محمد السوسي (أرشيف)
غزة - دينا البطنيجي

كاد قلبه ينفطر ألما، وروحه الوثابة تنتفض, حين استوقفته إحدى المتسولات وهو ذاهب مع زميل له الى جامعته في مدينة غزة وصارت تستعطفه أن يجود عليها ولو بشيكل واحد.

ترقرق الدمع في عينيه وردّ عليها بكلمات أشبه بالتمتمة: "مضى أسبوع على حالي وأنا أذهب للجامعة مشياً، ولو معي "شيكل" واحد أستقل فيه سيارة لما رأيتِني أمامك".

كلماته تلك أثارت المتسولة فأشفقت لحاله وسحبت حزمة نقودها ثم أخرجت منها عشرة شواكل وقدّمتها له: "امسك يا ابني الناس لبعضها"، كانت صدمةً له، فالموقف لا يُحسّد عليه، في حين أن عزة نفسه لم تسمح له بأخذها وهو المنهك من المشي في حر آب، لكنها كانت فرصةً لرفيق دربِه الذي خطف منها الشواكل شاكراً، ثم انفجر ضاحكاً وهما يستقلان سيارة أجرة.

كانت تلك محطة من محطات المحاضر الجامعي الأستاذ محمد السوسي، الذي قرر ذات يومٍ ترك المدرسة لما آل إليه حال غزة من حصار وما مر به من معوقات وصعوبات حتى وصل بإرادته إلى القمة وأثبت ذاته أمام الجميع.

ولد محمد السوسي بمدينة غزة بحي الشجاعية لأم متعلمة وحافظة للقرآن, وأب كادح عامل يجتهد في تربية أبنائه, فكان منذ صغره يساعد والده في مهنه القصارة والبلاط، لتنعم الأسرة بحياة هانئة ميسورة.

محمد الذي عشق العلم والعلماء كان ينظر من بعيد لجاره الدكتور أحمد شويدح، والذي كان له مثلاً أعلى، يطمح أن يكون مثله.

لكن كمعظم الأسر الغزية طالها سيف الحصار وتوقف والده عن العمل في مطلع عام 2006، وساءت أحوال الأسرة الاقتصادية، التي أجهزت على أحلامه وطموحاته، وقرر على إثرَها ترك المدرسة ليعمل مع إخوته يقول: "أردت أن أكون سبباً في توفير قوت اليوم لأسرتي، فكانت الفكرة بيع الخروب والمهلبية، الذي جن جنون والدتي حين سمعت بقراري".

رفضت أم محمد ذلك القرار رفضاً قاطعاً كونه سيحرمه من تعليم ابنها المميز والذي أسموه بـ"الشيخ" لعذوبة صوته في قراءة القرآن وتفوقه الدراسي، ما دفعه للعدول عن قراره بترك المدرسة، لكنه لم يعدل عن قراره بالعمل كباقي إخوته في جرّ عربة الخروب وبيعه بعد الدوام المدرسي، من أجل كسب رزق العائلة.

يقول: "كنت أجرّ العربةَ بعد دوامي المدرسي إلى مكانٍ يبعد كثيراً عن بيتي، أصل إيه ماشياً، لبيع مشروب الخروب، وكان التعب يرهقني لكن العزيمة والتحدي كان أكبر من أي تعب".

نجح السوسي في الثانوية العامة وحصل على تقدير جيد جدا وكان يرغب في دراسة اللغة الانجليزية التي أحبها كثيراً، لكن عدم التمكن الاقتصادي دفعه لدخول قسم الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية للاستفادة من المنح التي تُمنَح للطلبة في هذا القسم، ليتفوق في ذلك القسم ويحصل على معدل الثاني على الدفعة، يوضح: "تم ترشيحي للعمل في الكلية لمدة عام ثم العمل بالمحاكم الشرعية كمأذون".

توفير المال في العمل في عقود الزواج وبيع الخروب والمهلبية ساهم في حصوله على الماجستير الذي حصل عليه فعلياً في عام 2008، بينما تميزه بالعمل أعطاه فرصة للتنقل بين الكلية الجامعية والجامعة الإسلامية.

ذلك المحاضر الجامعي الذي يفيض حبا وانسانية، يتسم بتواضع جم وتعاون، تلمسه في كل كلمة يقولها، ويجعلنا نشعر أنه وأمثاله في غزة الحبيبة هم سر نقائها وسر صمودها.

ختمنا لقاءنا معه برسالة يبرقها للشباب ويقول فيها: "في الحياة لا يوجد مستحيل، فبالإصرار والتحدي والعمل تحصل على ما تتمناه بعد معية الله سبحانه وتعالى، أما التواضع فهو رفعة، فمن تواضع لله رفعه، بينما بر الوالدين هو السر والمحرك لكل شيء وكذلك الاتقان في العمل وهذا ما أمرنا به شرعنا وديننا وشريعتنا الغراء".