​بالصدف والفخار.. كمال يحيي التراث

الفخار من أقدم وأهم الحرف اليدوية المتوارثة في فلسطين
غزة/ محمد الهمص:

على شاطئ بحر غزة لوحة فنية تسرُّ الناظرين، فالأصداف والأحجار الممزوجة بطين البحر ألهمت كمال المدهون إحياء تراث قديم في صناعة الأواني وتشكيلها من الأصداف وحجارة البحر المقذوفة إلى الشاطئ من تلاطم الأمواج.

ويحرص كمال من سكان مدينة غزة على تجميع أجود الأصداف والحجارة، وفرزها حسب الشكل واللون الأنسب.

ويهوى الشاب البالغ (43 عامًا) الأعمال الحرفية الدقيقة التي تحتاج إلى تركيز عالٍ، لتشكليها وتنسيقها، فبدأ التعلم والمحاولة لصناعة القطع الخزفية والصدفية المميزة، التي يجمعها من شاطئ البحر في شهور خاصة من كل عام.

المدهون يروي لصحيفة "فلسطين" بداياته في المجال الذي استلهمه من مشاركاته الدائمة في معارض المشغولات اليدوية التراثية، التي تفتقد -على حد قوله- هذا النوع من الفن، فبدأ يبحث عن طرق صناعتها وتزيينها وتجهيز مكان عمله الخاص في منزله.

ويبين أنه حاول بحرفته صناعة قطع طبيعية لا يدخل فيها أي نوع من الألوان أو الأشكال المُصنعة، فجمعَ بين الأصداف بأشكالها والفخار بأحجامه معتمدًا على دقة التكوين والأشكال الهندسية.

القطعة الأولى

"عروس فلسطين" هذا اسم أطلقه المدهون على قطعته الأولى التي شكلت تحديًا له، لأنه حاول صناعتها على شكل تطريز الثوب الفلاحي الفلسطيني وإضافة طوق ذهبي من الصدفيات، والسلاسل والحُلي لتصبح أشبه بالعروس ليلة زفافها.

ويفصح المدهون عن أن "عروس فلسطين" القطعة الأقرب إلى قلبه، إذ وصل به الحال إلى حد الخوف من عرضها ولمسها، ورفضه القاطع لبيعها لكونها كانت بوابة دخوله إلى المجال، و"فاتحة الخير"، على حد تعبيره، ويبين أنها استغرقت صناعتها أكثر من شهر.

ويوضح أنه أصبح يبيع القطع التي يصنعها بعد تكدس العشرات منها، وكان لديه إمكانات لتلبية طلبات الجمهور الذي يقدر هذه التحف الفنية التراثية، فتحتاج كل قطعة 5 أيام عمل متواصل وقد تمتد عدة أشهر.

ويقول المدهون: "إن أصعب مراحل العمل إيجاد فكرة مناسبة تختلف عن سابقاتها، ورسم المخطط الهندسي لتشكيلها وشكل الصدف فيها، محاولًا الدمج بين الثقافات الشرقية والغربية، والحضرية والبدوية لمواكبة الأشكال كافة".

برج "ايفيل"

ومن أبرز المنجزات للمدهون تجسيد برج "إيفل" الشهير، فكان من أول الأعمال التي أتمها، مستخدمًا في إعداده أكثر من 14 ألف قطعة من الصدف، إضافة إلى أشكال أخرى كمجسمات فنية وبراويز وإكسسوارات.

أما الأدوات المستخدمة فيذكر المدهون أن أهمها الصدف، ومادة لاصقة، والقطع الفخارية، و"كسارة" لتشكيل الصدف، فلا يكتفي بتجميع الأصداف المتناسقة، بل يكسر غير المتناسقِ منها لتتناسب من حيث الحجم لإضافتها إلى الأواني الفخارية.

ويبيّن أن حبه للعمل يدفعه إلى قضاء 10 ساعات متواصلة، ولا يوقفه سوى انقطاع التيار الكهربائي، ما يؤدي إلى توقف كامل، لكون عمله الدقيق يحتاج إلى مصدر للإضاءة، وأدوات تحتاج إلى مصدر طاقة، عادًّا عمله أفضل تفريغ للطاقات السلبية.

ويطمح المدهون إلى تعليم عدد من الأشخاص هذا الفن التراثي، وافتتاح معرضه الخاص وتصدير منتجاته إلى خارج قطاع غزة، لإيصال فكرته التراثية، وإحيائه الفن الذي شارف على الاندثار.

والفخار من أقدم وأهم الحرف اليدوية المتوارثة في فلسطين، ويُبدع بعض في إنتاج أشكالٍ فنية غاية في الجمال، وتُعبر عن التراث الفلسطيني.