​بـ"المشطاح".. يسعى "الفراني" للخروج من نفق البطالة

غزة - رنا الشرافي

يسجّل الأرقام على ورقة صماء، ثم ينثرها على الحائط بالطبشورة، يحدد نقاط الالتقاء والارتكاز وأبعاد التصميم، ثم يستشير أحد الأصدقاء: "هل تكفي هذه الزاوية من الأريكة للجلوس؟"، فإن أتته الموفقة اعتمد القياس، وعاد بأرقامه إلى تلك الورقة التي تضج بالعمليات الحسابية ليبدأ بتنفيذ تصميمه..

"غسان الفراني" شابٌ غزيٌ في العقد الثالث من العمر، لم تسعفه الحياة بالحصول على فرصة مناسبة للتعليم، فكان صديقًا للمهن الصعبة والتي تحتاج إلى جهد بدني، فعمل في البناء وفي "الطوبار" إلى أن انتهى به الحال للعمل في شركة "زفتة".

قواعد خشبية

المواد الخام التي تحتاجها الشركة التي يعمل فيها، تصل مُحمّلة عبر "مشاطيح" (قواعد خشبية متينة)، وفي الغالب يتم التخلص من هذه القواعد إما بالإتلاف عن طريق الحرق، أو ببيعها بسعر لا يتجاوز فيه "المشطاح" الواحد خمسة شواكل.

أكوام الخشب (المشاطيح) المُلقاة على الأرض أمام "الفراني"، أثارت في ذهنه فكرة، وأخذت مخيلته تسوِّق له مستقبل هذه الكومة من الخشب، والتي تخيلها على هيئة "أريكة"، أو مائدة طعام مع كراسيها، أو تحفة فنية تزين المنزل، أو حامل ملابس أو مكتب أو مكتبة، وغير ذلك الكثير.

لمعت الفكرة في رأسه، ولكنه لم يسبق له أن حمل منشارًا، عدا عن أن سعر المنشار مرتفع، ومرت الأيام والفكرة لا تزال تدور في عقل الشاب، يقربها قليلاً ويبعدها قليلاً، إلى أن باغتته صور عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لمجموعة من التصاميم التي نفذها أصحابها مستخدمين هذا النوع من الخشب، وهو ما عزز لديه الفكرة لينفذ المشروع.

وقبل البدء بخطوته الأولى، سعى "الفراني" إلى عمل دراسة جدوى للمشروع، ليحسب تكلفته وما يحتاج إليه من أدوات، وخاصة المنشار الكهربائي، ليخطر في باله أن يصمم منشاراً بسيطا يغنيه عن المنشار باهظ الثمن، وبالفعل، وبمعاونة أحد الأصدقاء تمكن من صنعه، وتوفير بعض الأدوات البسيطة الأخرى التي استطاع تأمينها ليشرع بتجربته الأولى.

"أنا مجرد هاوٍ لا أملك صنعة ولم أحظَ بفرصة للتعليم، وفرص العمل شحيحة، فلم يكن أمامي سوى البحث عن مشروع خاص استطيع أن أبدأ منه مشواري الحقيقي في سوق العمل"... قال الفراني لـ"فلسطين".

بتكلفة بسيطة

وأضاف: "إنها تصاميم رائعة وتكلفتها بسيطة جدا مقارنة بما هو معروض في الأسواق، فطاولة الكنب مع ملحقاتها في السوق تباع بخمسمائة شيكل، أما أنا فأنفذها بتكلفة بسيطة وأبيعها بمائة شيكل فقط، وبالجودة ذاتها".

وتابع: "كما أنني لا أستخدم المسامير، بل البراغي وهي أكثر متانة، وأستعين بأحد الأصدقاء لضبط الزوايا والمساحات، فنرسم التصميم على الحائط، لنتخيل هيئته، وما إذا كان قياسه مناسبا أم لا، ثم نطبق القياسات على الخشب".

وأكد على أنه يسعى إلى افتتاح مشروعه الخاص في حال وجد التمويل اللازم لذلك، مشيراً إلى أن تصاميمه لاقت ثناء الأصدقاء والعائلة وكل من شاهدها وشاهد الأدوات التي يستخدمها لتنفيذ أفكاره.

ومن وجهة نظره، فإن مشروعه قابل للتنفيذ، ومهارته في الصنع أتاحت له المجال لخوض التجربة، ناصحاً جميع العاطلين عن العمل أن يبحثوا في دواخلهم عما يحبوا القيام به، وأن يبدؤوا على الفور بمشاريعهم الخاصة.

و"غسان" شاب كأي شاب فلسطيني، كان لوطنه مُباركة البداية، فأول ما صنعه كان "حنظلة" وخريطة فلسطين، كما صنع طاولات وكراسي وحاملات ملابس ومكتبات ومكاتب وغير ذلك.

ويسعى إلى تنفيذ تصاميم تراثية يستطيع من خلالها المشاركة في المعارض، وتحقق له التميز في صناعاته.

اتخذ "الفراني" من الغرفة الأرضية في منزله مقراً لـ"أول قطفة" من صناعاته الخشبية.

ويبقى غسان أحد مئات، بل آلاف، الشبان العاطلين عن العمل في قطاع غزة، والباحثين عن منفذ يخرجهم من ظلمة البطالة إلى نور سوق العمل، ولكنه كأغلب أبناء جيله لم يجد الدعم المناسب ولا الحاضنة المهتمة بمشروع يؤمن له الحياة الكريمة.