إقرأ المزيد


​إحداها احتلت المركز الأول في "ناشيونال جيوغرافيك"

بــ "بكَّة" التي لا تشيخ.. هكذا تُلتقط أبهى الصور في "المشاعر المقدسة"

الرياض / غزة - هديل عطا الله - فاطمة أبو حية

أمام صور تُغني عن آلاف الكلمات يحدث أن نقف عاجزين عن التعليق، ولكن حين يجتمع جمال الصورة وإتقانها، مع عظمة المشهد الأصلي تكون النتيجة بلا أدنى شك مُبهرة، والحج أروع النماذج في هذا، فمع كل موسم حجٍ تصل إلينا من المشاعر المقدسة صورٌ تحفر مكانها في الذاكرة.

في أثناء الموسم الأخير الذي لم يفت شهرٌ على انتهائه؛ قدّم المصوران السعوديان عمار الأمير ورائد اللحياني للعالم صوراً من أبهى ما يكون؛ إليهما تصغي صحيفة "فلسطين" ناقلةً تجربة "مشاعر المشاعر".

في حضرة "أم القرى"

إحساسٌ غامر بالفرح انتاب كل من شاهد صورةً اختار لها صاحبها اسم "بستان الزهور" حين حمل الحجيج أثناء طوافهم حول الكعبة مظلاتٍ ملونة، والتي فازت بالمركز الأول في اختيارات موقع "ناشيونال جيوغرافيك" الأسبوعية.

عمار الأمير ابن مكة المكرمة هو من حالفه الحظ في التقاطها، هذا المصور حاصل على بكالوريوس في "هندسة الحاسب الآلي"، ويعمل مخرجا تلفزيونياً في هيئة الإذاعة والتلفزيون، وهو عضوٌ في عدد من منظمات التصوير العالمية، كما حاز على أكثر من ٣٣ جائزة دولية مختلفة في التصوير الفوتوغرافي، وشارك بصوره في عدة معارضٍ في السعودية وخارجها.

ويعرّف عن نفسه لــ "فلسطين" بالقول: "في التصوير الفوتوغرافي لدي شغفٌ خاص بتوثيق أم القرى بجبالها الشامخة وثقافتها وقدسيتها، وذلك لقناعتي بأن: "المصور مرشدٌ سياحي صامت".

بدأت علاقة عمار بالكاميرا بشكل تقليدي، كأي فرد يستخدمها لتوثيق ذكريات العائلة، لكن الموهبة الكامنة فرضت نفسها، وعن ذلك يوضح: "بدايتي كانت في عام ٢٠٠٥، عندما اقتنيتُ كاميرا رقمية لتوثيق الرحلات العائلية والمناظر الطبيعية، واستهواني هذا المجال أكثر حين بدأت بالاطلاع على المواقع الإلكترونية الخاصة بالتصوير؛ وبالتفاعل مع الأعضاء المصورين في بعض المنتديات، ثم وصلت بعض أعمالي لمنصات التصويت، وبعدها ارتقيتُ إلى مرحلة الفوز في المسابقات، فَبعتُ بعض أعمالي، وأَهدَيتُ بعضاً منها لجهات مسؤولة".

لم يحصر الأمير صوره في جانبٍ واحد، وإن كان يفضل التصوير في مكة، إذ يرى أن "المصور الطموح يمارس التصوير في محاور متعددة، إلا أن تصوير أطهر بقاع الأرض لا يختلف على تفضيله اثنان".

‏ ويتحدث ابن الأرض المقدسة بمنتهى الحب: "مكة الروح التي لا تشيخ، مكة الضوء والوضاءة، وإن تغيرت الملامح والشوارع والأزقّة والأحياء، إلا أن أُلفة المكان والزمان والرفاق تسيطر على كل من يطأ أرضها ويشاهد شموخ جبالها، فكيف بها وهي جزء لا يتجزّأ من تكويني".

وإن كان جمال مكة يفرض نفسه على عدسة عمار الأمير، فإن لموسم الحج خصوصية أكبر، يصوره من عام لآخر، ويقارن بين ما يلتقطه في كل مرة، ليرصد التطور في أدائه ويقيّم عمله أولاً بأول.

وفي هذا السياق يقول: "أضع أقدم أعمالي أمامي، وأقيّم نفسي من جميع الزوايا، وفي كل سنةٍ ألاحظ تدريجياً الاختلاف الذي يظهر في صوري لنفس الموسم، إن تقييمنا لذواتنا أمر مهم لنعرف نقاط ضعفنا ونركز على نقاط القوة؛ وأين وصلنا؟ وإلى أين نريد أن نصل؟".

ويبتسم من أعماقه حين يقول : "التقاط المشاعر إن لم يكن في "أرض المشاعر" فأين يكون برأيكم؟".

حين تختال الأزهار

وبالعودة إلى تلك الصورة التي أضحت "حديث الموسم"؛ لتحتل المركز الاول في اختيارات "ناشونال جيوغرافيك" الأسبوعية، إذ اختيرت من بين آلاف الصور المشاركة من أنحاء العالم، ومن المقرر نشرها في العدد القادم لمجلة "ناشونال جيوغرافيك" العالمية، لما فيها من معانٍ إنسانية وروحانية تغمر المكان المبارك، وحصلت الصورة على إعجاب أكثر من خمسة من محررين لدى «ناشيونال جيوغرافيك» المحترفين وأكثرهم تصويتاً عالميا.

ففي العاشر من ذي الحجة التقطَ "ضيفنا" هذه الصورة الفريدة؛ ومع أن هذا المشهد يتكرر في كل سنة أمام ناظريه؛ حيث الجميع يتظلل من شمس الظهيرة، ولكن هذه المرة اختلف الأمر؛ يقول: "وقفت لوقتٍ أتابع وأرصد حركة الطائفين ومظلاتهم تصطدم ببعضها وكأنها أزهاراً تختال في فصل الربيع".

ويشير إلى أنه يلتقط المشهد ذاته في كل سنة، إما بالكاميرا أو بعدسة هاتفه النقال، ولكنه في هذا العام تمكن من اقتناص اللحظة بجودة عالية.

ويؤكد أن ثمة مشاهد تُلهب مشاعر الزائر لمكة؛ وهنا تأخذ الصور طابعاً وجدانياً؛ موضحاً مقصده: "سأستمر في نقل بكاء الواصلين إلى الكعبة، ودموع الخاشعين أثناء الدعاء في التراويح وأكفهم مرفوعة للسماء، ولحظات السجود التي تشبه المعجزة حيث يصطف الساجدون في صفوف مهيبة".

ويركز عمار في موسم الحج على صور "البورتريه" وخاصة لكبار السن والأطفال، والسبب وفق رأيه على النحو التالي :"أرى في ملامح الكبار تجارب السنين؛ والتعب المرسوم في ممرات تجاعيد وجوههم، أتأملها وكأنها طرقات ومسالك للعابرين، أما مشاهد الأطفال وطريقة استجابتهم للكاميرا بعفوية وتلقائية عجيبة بلا تمثيل؛ تجعلني اكتشف أن الحياة في نهاية المطاف مجرد صورة تستوقف الزمن لتصنع الذكريات".

لم يكن عمار مصوراً فقط في كل مواسم الحج، وإنما كان في بعضها حاجاً أيضاً، فهل "الحاج" في داخله ينفصل عن "المصور"؟، يجيب: "‏ينفصل لحظات ثم يعود ليتصل، ولأنني أديت الحج فأنا أصور وفي الوقت نفسه أتخيلني بين الحجيج في لباسٍ واحد وصوب قِبلة واحدة، وغايتنا واحدة، لا فرق بين عربي وأعجمي ولا فقير أو غني إلا بتقوى القلوب، أي أنني أتعايش تماماً مع الصورة قبل نقلها".

وعن صنيع الكاميرا الذي يمتن له؛ يقول أنها أنضجت لديه البعد "الفلسفي" أكثر، فقد بات يرى الأشياء من زوايا مختلفة، حتى الأمر المُعقد قد يصبح مُبسّطاً؛ كما أنها زادت من ثقته بنفسه، وجعلته يوقن أن عمله كلما كان صادقاً وصل للناس بيسر.

‏"مقياس التميز هو فكرك الواسع وثقافتك الرحبة ونظرتك الفريدة".. هكذا يُعرّف عمار التميز، وينصح حاملي الكاميرا الجدد بالآتي: "‏ثق بنفسك، وبإمكانياتك، وطور نفسك جيداً، ولا تبخل على نفسك أبداً باقتناص لحظات تصوير قد لا تتكرر، وأتقن القواعد لتتمكن".

وعن عوامل النجاح التي يراها أنها تساعده في التقاط صورٍ بديعة؛ يقول: "من أبرزها التدقيق في التفاصيل؛ والتأمل في كون وسيع؛ والاطلاع والسفر، والشغف بالتوثيق المكاني والزماني؛ والرغبة المُلحّة في نقل كل ما يستنطقني بواسطة صورة".

المستقبل الذي يتطلع إليه؛ هو مسك الختام في حديثنا: "أملي في أن أوثق الأماكن المقدسة بشكلٍ مختلف كي أنقل للعالم كله رسالة ذات منحى فني إيجابي للتعريف بها على أفضل وجه".

حرّكت قريحة الشعراء

من الصور التي نالت شهرةً كاسحة على مواقع التواصل الاجتماعي في موسم الحج الماضي، وحظيت بتعليق المشاهير؛ ونظم فيها الشعراء القصائد؛ تلك التي التقطها المصور "رائد اللحياني" لزوجين في الحرم المكي، فالرجل يصلي، وزوجته تقف بجواره لتحجب عنه الشمس بظلّها، إذ تغير موضعها كلما وقف أو ركع أو سجد لتكون ظله في المكان الصحيح.

واللحياني درس علم الاجتماع، لكن ثمة صفات في شخصيته دفعته للاتجاه نحو التصوير، منها اهتمامه بالتفاصيل اليومية، وبحثه عن المشهد الكامل، وتعلقه ببعض ذكريات الطفولة التي يتمنى لو أنها كانت موثقة بالصور، إلى جانب ميله للإيجاز حينما تكون لديه رسالة مطولة أو قصة ويرغب جديًا في تصويرها والتعبير عنها بصورة فقط.

وإذا ما تساءلتم عن التحول الذي دفعه نحو طريق الكاميرا؛ فالجواب على لسانه: "شغلني كثيراً البحث عن المشهد الكامل أو اللقطة الكاملة، كنت أبحر في فضاء الإنترنت باحثًا عن بعض الصور لأستطيع من خلالها عمل "تصميم مُبسط" يحمل مغزى، وبعد فترة بدأت أتنازل عن مطلبي بسبب عدم وجود الصورة الملائمة، وحينها قررت أن أصنع الصورة التي أريد".

وللتصوير، في مكة تحديداً، طعم آخر، يبتسم طويلاً عند هذا المقطع: "أحببت مكة المدينة البسيطة، وشوارعها العتيقة، وجبالها، وأهلها، وحواريها، وقبل ذلك كله أحببت البيت المُعظم فيها، فقد اصطحبني والدي رحمه الله إلى المسجد الحرام كثيرًا في صغري، ولست أذكر أني زرت شيئًا قبله".

تصوير شعائر الحج هذا العام لم يكن التجربة الأولى له، لكنها الأفضل والأكثر تميزاً حسب تقييمه.

‏ويتطرق إلى حكاية تلك الصورة المختلفة في جمالها: "‏كانت عاطفة المرأة تخُيم على المكان، وكأنها تظللّ كل شخص قريب منها، في هذه الصورة يتجلى المعنى الروحاني للتضحية في مساعدة الزوج على العبادة، وتظهر عظمة هذه اللمسة الوفية للمرأة المعطاءة بطبيعتها وطبعها".

وأضاف: "بفضل الله تميزت الصورة بالبساطة ‏في التكوين وتوزيع العناصر".

ومن الجميل أن الرجل الذي تم التقاط الصورة له عبّر عن سعادته وتواصل مع رائد وشكره بحرارة؛ علماً أنه فور انتهائه من الصلاة قبّل رأس زوجته وهمس في أذنها "اسأل الله أن يظلك تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله".

وعن المعايير التي تساعد المصور في أن ينجح بالتقاط صورٍ في موسم عظيم كهذا؛ يوجزها بقوله: "‏المهارة التقنية، والاستشعار المعنوي، واليقظة الدائمة، والإخلاص في التوكل على الله، وطلب العون منه سبحانه، كل هذه المعاني هي منظومة متكاملة لتحقيق مثل هذا النجاح؛ لو غابت إحداها ستضاءل فرصة النجاح".

ويلفت إلى أن "العمق المعنوي" استثار قريحة الشعراء والأدباء والفلاسفة لتحليل الصورة؛ فكتبوا ألطف العبارات عنها؛ ومن بينها ما قاله أحدهم: (أكادُ أكذّبُ الظــلّ الظليلا وأنظرُ مرّةً أخرى ذهولاً.. أهٰذي لوحةٌ؟ أنّى تراها تشكّل روعة الإيثار أولى).

هذه الصورة التي راقت للمتابعين، كيف كانت في نظر النساء القريبات لملتقطها؟، يضحك ثم يعترف: "الإعجاب كان سيد الموقف؛ لكن إحدى أخواتي علقت: "أتمنى أنه يستحق".

ماذا لو كان هناك مشهد أراد رائد التقاطه ولم يفعل، يقول: "‏هناك مشاهد لم أقوَ فيها على رفع الكاميرا حتى لا تسرقني من تأملها واستشعارها، الحج بجميع تفاصيله رائع، بما نلتقط أو ما لم نلتقط، فاجتماع قرابة ثلاثة ملايين شخص في مكان واحد وعلى صعيد واحد يضاعف عليك الحمل، لأن كل شخص هو قصة تُروى من خلال الصور، ولكن المشاعر والأحاسيس أحيانًا تقيد جوارحنا، فلا نكاد نحرك أيادينا للتصوير".

والمتأمل لصور رائد؛ يلحظ أنها ليست مجرد نقل مشاهد للآخرين، بل في بعضها دروس، وكما يقول: "هناك مشاهد ملهمة تحمل رسالة ليتعلم منها المصور لا لينقلها؛ مما يراكم خبرته لاحقاً".

حاجٌ ومصور

محظوظ من يدخل بين الحجيج بعدسته، يتأمل الناس في المناسك على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، هذه الحالة التأملية يخشع لها قلب هذا الشاب السعودي؛ ليعبر عن تلك الحالة: "أشعر حينها بأني أعبد ربًا عظيمًا أحاط بكل شيء علماً، لا تختلف عليه الأجناس ولا اللغات ولا تشغله إجابة المسائل عن بعضها، يطلبه الغني والفقير، الكبير والصغير، العالم والجاهل".

وعن العلاقة بين التصوير والحج بالنسبة للمصور، يوضح: "‏بلا شك، لا انفصال بينهما، ولكن لكل مقام مقال، حدثَ وأن كنت حاجًا فقط، وحججت مصورًا، وصورّت دون حج، وكل تجربة اختلفت عن الأخرى تمامًا".

وعلى كثرة المشاهد وجمالها، يكثر المصورون وتتباين مهاراتهم، ولكن الصورة الجميلة تفرض نفسها، وفقا لتعامل صاحبها مع الكاميرا والمشهد، وبحسب اللحياني، فإن "ابتكار الزاوية المختلفة والمغايرة لما اعتاد الناس رؤيته، وصياغة الفكرة الجاذبة الجريئة المختلفة عما نراه كل يوم في مواقع التواصل وغيرها، تُعد من أسرار التميز في الصورة".

ويشير إلى أن "اللقطة الواحدة" أحيانًا قد تتطلب من المصور زيارة واثنتين وثلاثا للموقع المراد تصويره، كي يبتكر شيئًا خلاقًا متكاملًا وفقاً للموضوع والفكرة"، لافتا إلى أن العمل مع فريق مُلهم يزيد المصور حماسًا؛ معقباً: "أنا مؤمن بعدوى الإيجابية، كونهت تنتقل بالمشاهدة والاستشعار".

وبتواضعٍ شديد يوجه نصيحة للمصورين الجدد: "‏ثقّف عينك، لأن ثقافة العين لا تقل أهمية عن ثقافة العقل فيما يخص التصوير الفوتوغرافي، لأنه كلما فعلت هذا، نضجت ذائقتك الفنية وأصبحت متمكنًا من إنتاج الأفضل".

ويضيف: "‏الكاميرا تمنح الوفاء، كلما تقرب منها صاحبها سهلّت له مهمة التقاط الصورة الأفضل، هي عينٌ ثالثة من خلالها تنظر لعديدٍ من الأمور بشكل مختلف، وفي العلاقة مع الكاميرا يتجلى الصبر بوضوح؛ الصبر والتأمل والتأني والإصرار كلها تشكّل شخصية المصور".

مواضيع متعلقة: