إقرأ المزيد


أزمة علاقات أم أزمة حضارة؟!

أ.د. يوسف رزقة
ثلاثاء ١٤ ٠٣ / ٢٠١٧


يبدو أن الأزمة بين تركيا وألمانيا وهولندا والنمسا والدنمارك، ذاهبة باتجاه التصعيد، وذات تأثير على رسم السياسات المقبلة لهذه الدول مع تركيا. هولندا رفضت زيارة وزير الخارجية التركي، وقامت بترحيل وزيرة الأسرة والعلاقات الاجتماعية التركية بعد وصولها للعاصمة الهولندية برا قادمة من ألمانيا؟! المتظاهرون في أنقرة احتلوا القنصلية الهولندية ورفعوا عليها علم تركيا تعبيرا عن الاحتجاج ضد سياسة هولندا. الدنمارك طلبت من وزير الخارجية التركي تأجيل زيارته .


خلفية الأزمة تتراوح بين السياسة، والوقوف ضد طموحات أردوغان. يسعى أردوغان لإجراء استفتاء حول الانتقال إلى النظام الرئاسي في بلده، مما يعزز موقفه في الحكم. الجاليات التركية المؤيدة لأردوغان في هذه البلاد تعقد اجتماعات عامة وتدعو إليها مسئولين في الحكومة لحشد التأييد لسياسة أردوغان. السلطات الألمانية والهولندية منعت قيادات تركية حكومية وحزبية من لقاء هذه التجمعات والخطبة فيها.


الخارجية التركية فسرت هذه المواقف بالعدائية والنازية، وأنها تأتي لصالح جماعة غولن، بينما يرى بعض المحللين أن الأزمة بدأت مبكرا بعد فشل الانقلاب العسكري ضد أردوغان، واتهام أردوغان لقوى أوروبية وأميركية بالوقوف مع الانقلاب الفاشل.
حين استبد الغضب بأردوغان من الموقف الألماني والهولندي وصف سياسة البلدين بالنازية مما أثار حفيظة القيادتين في ألمانيا وهولندا.


المواقف الأوروبية هذه يمكن النظر إليها من خلال معادلة ( رب ضارة نافعة)، حيث تستطيع تركيا تحديد أصدقائها بناء على هذه التجربة، التي تحمل عداء مبطنا للسياسة التركية التي يقودها أردوغان، ووزير خارجيته. الآن تستطيع تركيا وضع محددات جديدة لسياستها الخارجية بحسب هذه المعطيات، التي كانت تتسم بالنفاق. الآن الأمور واضحة، ولا مجال للنفاق البتة.


من المعلوم أن تركيا تعد في أوروبا مجتمعا إسلاميا، لا مجتمعا مسيحيا، وهو مجتمع مثقل بتراث الماضي زمن العثمانيين، لذا تجد بعض السياسيين يفسرون هذه الأزمة السياسية بالموروث الحضاري للعلاقات بين الغرب والدولة التركية، وهو تفسير يمكن قبوله، لا سيما بعد الاتهامات المتناثرة التي تتهم أردوغان بمحاولة إحياء العثمانية الجديدة.


تركيا مجتمع مسلم، وحكومة علمانية، بينهما تصالح لا تجده خارج تركيا في البلاد العربية مثلا، وتركيا ليست في حاجة للمساعدات الأوروبية، فلديها فائض مالي كبير، وهي بلا ديون خارجية البتة، وحاولت عشرات السنين لدخول الاتحاد الأوروبي ولكن محاولاتها فشلت بسبب أن مجتمعها مجتمع مسلم وليس مجتمعا مسيحيا، الأمر الذي يفرض على تركيا البحث في البدائل، وإقامة علاقات متوازنة مع روسيا والصين، والبحث عن أسواق في البلاد العربية والأفريقية، وقد نجحت في ذلك نجاحا كبيرا.


الأزمة مع تركيا وهذه البلدان ستتراجع لتقف في الخلف بعد انتهاء الاستفتاء على النظام الرئاسي المتوقع أن يحصل على أغلبية الأصوات، ولكن يبقى النفاق قائما في خلفية السياسات الخارجية.