إقرأ المزيد


​المُصدّر الوحيد في غزة للسوق المحلية بالضفة

أيمن الشوا وعَراقة "الجلود" من عائلةٍ تستثمر خيرات الطبيعة

غزة- أسماء صرصور

"الحب" دافعٌ مهم للصمود في وجه عوامل التعرية على اختلاف أنواعها، فهو القادر على إبقاء جذوة الحياة مشتعلة تحت الرماد، والنهوض من كل كبوةٍ بشكل أقوى، لأن من يحب يبذل ما في وسعه لأجل شغفه.

"الحب" هنا هو الذي دفع أيمن روبين الشوا (50 عامًا) إلى الاستمرار في دباغة الجلود مهنة الأجداد والآباء المتوارثة منذ ما يزيد على سبعين عامًا، المهنة التي انحصرت في الوقت الحالي بشخص عائلته ليغدو هو مصدّر الجلود الوحيد في غزة للسوق المحلية بالضفة الغربية.

"فلسطين" حاورت الشوا، لتعرف تاريخ عائلته في التعامل مع الجلود، وكيف صمد في هذه المهنة، وزاوج بين الماضي والحاضر، ليحتفظ بهذه المهنة، ويُعلمها لأولاده كي يكونوا امتدادًا له في الحفاظ عليها.

المنافسة تحتم توقيع العقود

بزهوٍّ يشير في بداية حديثه إلى أنه هو الجيل الثالث في حلقة وراثة هذه المهمة أبًا عن جد، مبينًا أنها كانت مصدر الرزق الوحيد لوالده وجده، وإضافة إلى العمل في الجلود والد أيمن ورّثه أمرًا آخر، فأيمن مذ كان طفلًا التزم بدراسته بدعمٍ من والده، وفي وقت عيد الأضحى كان يساعده في مهنته، وهو ما يقوم به أيمن مع أولاده الآن، عوّدهم أن يلزموا دراستهم ويساعدوه في أوقات أخرى.

يعود بذاكرته إلى الوراء، ليكشف عن الخطوات التي كان يقوم بها والده من نقطة "صفر" في الدباغة، فقد اعتاد الأجداد الاستفادة من كل خيرات الطبيعة، وكان لابد للعائلة أن تنتفع من الجلود لتغدو مهنتها مع مرور الزمن، علمًا أن مهنة الجِزارة كانت قد تصدرت أعمال هذه العائلة.

وهذا لا يمنع أن والده الحاج روبين كان يلجأ إلى توقيع عقود مع اللحامين والجزارين قبيل عيد الأضحى بشهر أو عشرين يومًا على الأقل، ليعرف كمية الجلود التي سيحصل عليها منهم، ويجهز نفسه للتعامل معها.

ويلفت إلى أن توقيع العقود أمر في غاية الأهمية آنذاك، لوجود منافسين لوالده في هذه المهنة، لاسيما أن خمس عوائل عملت في المهنة نفسها، لكن الأوضاع الاقتصادية والظروف التي يمر بها قطاع غزة، والخسائر التي قد تلحق بالتجار، بسبب فساد الجلود، إن لم تُصنّع خلال ستة أشهر من تمليحها؛ قلّصت العاملين فيها لتبقى في إطار عائلة الشوا فقط.

ويتابع: "في الأيام الثلاثة الأولى من عيد الأضحى نبدأ العمل، ونتسلم الجلود من محافظات القطاع جميعًا"، مشيرًا إلى أن العمل يكون متواصلًا أربعًا وعشرين ساعة في تلك الأيام، ما يستدعي وجود مناوبات، وقد وصل عدد العاملين في أحد الأعياد إلى ثمانية وأربعين عاملًا يتناوبون فيما بينهم.

"ما المهمة التي يتولون القيام بها وتحتاج للسرعة وكل هذا الوقت المتتابع في موسم العيد؟"، يجيب بقوله: "بعد الحصول على الجلد يفرد طبقات، وترشّ كل طبقة بالملح، وترصّ ليصل ارتفاع طبقة الجلود الواحدة إلى ما يقارب مائة وخمسين سنتيمتر عن سطح الأرض، ويرسل المِلح إلى اللحّامين المتعاقدين معهم في المحافظات الجنوبية بقطاع غزة، ليعملوا على تمليح الجلود لديهم، حتى لا تفسد بسبب حرارة الصيف الحارقة".

ساحة الشوا معلم الجلود

عزيزي القارئ، لعلك تعرف "ساحة الشوا" الواقعة في حي التفاح شرق مدينة غزة، ولربما حالفك الحظ لتمرّ بها خلال موسم عيد الأضحى، لترى الجلود المملحة والمتراصة بعضها فوق بعض، وكأنها صخورٌ مُصطفة.

عن هذا المشهد يقول الشوا: "منذ عمل عائلتي في مهنة الجلود هذه الساحة تشهد العمل في "الأضحى"، أي منذ ما يربو على سبعين عامًا"، مستدركًا بقوله: "ازدياد العمران في المنطقة لم يعد يسمح بالاستفادة من المساحة، فلجأنا إلى إنشاء مستودعات كبيرة بعيدة عن المواطنين على الخط الشرقي لقطاع غزة".

ويتابع: "ما يراه المواطن في العيد حاليًّا في المنطقة بموجب تصريحٍ من بلدية غزة مدة أربعة أيام، بغرض تمليح الجلود ورصّها في الساحة"، مشيرًا إلى أن هذه الجلود تعود إلى المواطنين الذين يذبحون أضاحيهم بأعدادٍ قليلة، فلا يكلفون أنفسهم عناء الذهاب إلى "الخط الشرقي" للبحث عن المستودع، إضافة إلى أن ساحة الشوا مَعلم تاريخي للجميع في هذا الموسم من العام، أما كل من يتعاقد مع الشوا من لحّامين وجزارين فيرسل كمياته من الجلود إلى المستودع.

ويبين أنه يتعامل حاليًّا مع جلود العجول، كون الطلب على لحومها يفوق الطلب على لحوم الخراف، بعكس الضفة الغربية المشهورة بكثرة الطلب على لحوم الخراف، ولذا تكثر فيها جلودها، لافتًا إلى أنه في عيد الأضحى تكثر جلود الخراف بسبب الأضاحي، وفي عهد والده أيضًا كان لها نصيب كبير من المهنة.

ويضيف: "الأوضاع الاقتصادية تتحكم في إقبال الناس على اشتراء نوع معين من اللحوم، وإن تقارب في وقت ما سعر الكيلو الجرام من لحم العجل وسعر الكيلو الجرام من لحم الخروف؛ فإن المواطن يرى أن لحم العجل الأحمر أكثر بركة ويوفر كمية أكبر من لحم الخروف الأبيض".

أما جلد البقرة _على وفق ما يقول_ فيقل الإقبال عليه، لأن البقرة تختم من الجهتين، فيأخذ الختم مساحة من الجلد على الطرفين، إضافة إلى أن الحمل والإنجاب يسببان ترهلًا في الجلد، فيرفضه أصحاب المصانع في ظل وجود جلود صناعية أفضل من جلود البقر، وإن تنوعت خامات الجلود الصناعية ما بين الجيد، والجلد المسبب للالتهابات، والمتسبب بروائح كريهة إلى نفس المستخدم.

محاولات لتطوير العمل

وللكهرباء نصيب أيضًا في التحكم بوزن الجلد، والطلب عليه، فاللحامون يميلون إلى اشتراء العجول الصغيرة كي لا يبقى من لحومها حتى اليوم التالي، لعدم القدرة على حفظها بسبب أزمة التيار الكهربائي، ليكون متوسط وزن جلد العجل الصغير عشرين كيلو جرام، بخلاف عجول عيد الأضحى التي يصل وزن جلد العجل فيها إلى أربعين كيلو جرام.

يعود إلى الحديث عن التعامل مع الجلود، بقوله: "بعد تمليح الجلود يجب أن تبقى متراصة بعضها فوق بعض إلى أن يحين موعد تصديرها، ويمكن أن تبقى صالحة ستة أشهر في فصل الشتاء، وأربعة أشهر في فصل الصيف".

ويكمل: "في وقت التصدير بعد الحصول على الموافقة من وزارة الزراعة وإجراء الفحص البيطري، ومعرفة الكمية التي يمكن تصديرها؛ تبدأ مرحلة تعليق الجلود في "المشاطيح"، وهي الألواح الكبيرة المخصصة للتصدير".

ويبين أنه بمجرد تعليق الجلود يُنفض عنها الملح، وهو المادة الحافظة لها، لذا يمكنها أن تحتمل بعد تعليقها أسبوعًا واحدًا على الأكثر قبل إدخالها مرحلة التصنيع، وإلا فإنها تكون عرضة للتلف بعد هذه المدة.

ويذكر أن والده بعد تمليحه الجلود بخمسة عشر يومًا _وهي المدة التي يحتاج لها الجلد ليتخلص من الماء والدماء_ كان يأخذها إلى منطقة السودانية بالقرب من شاطئ بحر غزة، ويعمل على نقعها في حفر رملية مدة تقارب الشهر أو الأربعين يومًا، وبعدها يعالجها بالمواد الكيميائية والأعشاب، ثم يوردها إلى مصنع أحذية يدوي غزيّ، لكنه أوقف عمله بعد منافسة مصانع الضفة الغربية في صناعة الأحذية وتفوقها.

وفي الوقت الحالي لم تعد عملية نقع الجلود تستغرق وقتًا كما كانت في زمن والده، فالمصانع التي تستورد منه الجلود تستعمل براميل كبيرة، كانت سعتها في البداية خمسين قطعة جلد، وامتدت سعتها لتصل إلى خمسمائة قطعة جلد، لتكون الجلود جاهزة خلال أربع وعشرين ساعة.

حب أيمن لمهنة والده وجده لم يقف عند متابعة العمل وتنميته، بل يطمح إلى فتح آفاقٍ جديدة فيه، بمحاولة إنشاء مصنع للجلود في غزة كي يقدم المنتجات الجلدية على اختلاف أنواعها للمواطنين، لكن أهم عقبة تقف في طريقه هي المواد السامة كالزرنيخ والكروم التي ستخرج من نفايات المصنع، وانعدام فرصة التخلص منها بسوى تصريفها إلى المجاري، ما قد يؤدي إلى وصولها إلى المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض.

مواضيع متعلقة: