إقرأ المزيد


​أضحت أقرب إلى الاندثار

إيهاب عطا الله صانع فخارٍ ورثَ الحرفة بالفطرة

غزة- رنا الشرافي

أن تُولد بين أكوام الطين الشامخة، وتتنفس رائحة الأرض من حولك، أن تضرب يدك بها فتحيل حبيباتها إلى لوحاتٍ فنية لا يعرف قيمتها إلا جدي وجدك، وطالب علم مختص؛ تلك حظوة كبيرة.

هنا في مصنع عطا الله للأواني الفخارية تشاهد لوحة فنية لن تشاهدها أبدًا إلا في هذا المكان، أكوام من الأواني الفخارية المصنعة للتسويق، وأخرى للقطع المكسورة، وبين البينين كومة كبيرة من الطين التي تحضر لبدء مرحلة التصنيع.

خاصيةٌ ناسبت الحرب

أربعة عمال يحضرون "الوجبة" الجديدة، ومن بينهم إيهاب عطا الله، ابن مالك المصنع وأحد العاملين فيه، الذي يزاول حرفة صناعة الفخار منذ أحد عشر عامًا، "ولسه بتعلم"، كما يقول عن نفسه.

عن حرفةٍ مُتوارثة نقلها جده عن والد جده "فلسطين" تحدثت إلى إيهاب الذي تقاسم هذه الحرفة وأشقاؤه، يقول: "برأيي أنه لا يجوز أن يحترفها أحد غريب، هي حبٌّ بالفطرة، وأنا ولدت هنا"، هذا كان جوابه عندما سألته "فلسطين" عن سبب انخراطه في هذه المهنة.

واشتكى إيهاب من قلة الإقبال على اشتراء الأواني الفخارية، وأن معظم الطلب متوقف على الزبادي والأباريق، أو "حجر رأس الشيشة"، مشيرًا إلى أن توقف التصدير لهذه المنتجات منذ أحد عشر عامًا أضر بها كثيرًا.

وقال: "في الماضي كانت المنافسة قوية، إذ احتضن قطاع غزة 20 مصنعًا للفخار، أما اليوم فلا يكاد يوجد خمسة مصانع، لا تدرّ على أصحابها ما يكفيهم"، مستغربًا إهمال المؤسسات الحكومية والأهلية المعنية هذه الحرفة التراثية.

أضاف إيهاب: "ليست سهلة وتحتاج إلى خمس سنوات من العمل حتى تتقنها، ولن تصبح معلمًا قبل أن يمر عليك عشر سنوات وأنت تجلس خلف الدولاب"، محذرًا من أن هذه الحرفة اليوم هي أقرب إلى الاندثار منها إلى البقاء.

وتابع: "أصبحت الناس تفضل البديل الأرخص؛ فمثلًا هذه الأواني الفخارية المخصصة للزراعة لم يعد يطلبها أحد، بل إن الناس أصبحت تفضل الأواني البلاستيكية؛ فهي أرخص، أما الأواني الفخارية فمع أنها الأفضل للزراعة وسعرها معقول الناس يعرضون عنها".

ولفت إيهاب إلى كمية الحزن التي تصيب صانع الآنية الفخارية التي تتلف بيديه، وأشار إلى أحد الأواني البسيطة، ثم قال: "هذه القطعة تستغرق منا عملًا مدته عشرة أيام حتى تخرج بهذا الشكل، وبعد هذا الجهد تتلف بيديك".

وتطرق إلى مزايا الأواني الفخارية التي تبرّد بالماء بعد نصف ساعة من وضعه داخلها، قائلًا: "في حرب 2014م كانت حرارة الشمس لاهبة والكهرباء مقطوعة، والناس في سعيها إلى البحث عن البرودة تنبهت إلى هذه الخاصية في الأواني الفخارية".

واستطرد: "أقبل الناس على اشتراء الأواني الفخارية وخاصة الأباريق (القلل)، واستخدموها لتبريد المياه، والحفاظ على الأطعمة بديلًا للثلاجة"، شارحًا أن المياه في الأواني الفخارية تحتفظ بطعمها الأصلي.

ويتميّز الفخّار بمجموعة من الخصائص، ومنها أنه من أسهل المواد استخدامًا وصناعةً؛ فمن السّهولة التّعامل معه، وتصميمه، وتشكيله بما يناسب الحاجة المُستخدَم فيها، وتعدُّ صناعة الفخّار من الصّناعات التي شهدت تطوّرًا مستمرًّا، منذ المراحل الأولى لاكتشافها، وصولًا إلى استخدام الأدوات الصناعيّة الحديثة، وكذلك إن منتجات الفخّار تمثل نماذج عن التطوّر الإنسانيّ في العصور الزمنيّة.

وبين أن صناعة الفخار تعتمد على الطين فقط دون أية إضافات كيميائية؛ كتلك التي تدخل في صناعة البلاستيك وغيرها من الصناعات الأخرى، مشيرًا إلى أن الإضافة الوحيدة الممكنة للطمي هي فقط الملح وذلك حتى يصبح لون الفخار أبيض.

عدة مراحل

وعن مراحل إنتاج القطة الفخارية قال إيهاب: "نحضّر الطمي من شرق محافظة جباليا، وننشره في الشارع حتى يجف تمامًا، ثم ننقله إلى حوضٍ عريض، مملوء نصفه بالماء، حتى نُخلّص الطين من الشوائب الموجودة فيه، بنزول أحد الشُبّان إلى الحوض، وتحريك الطين بداخله، فينزل الحصى إلى أسفل وتطفو الشوائب على السطح".

وتابع: "ثم نصفي بالغربال الطين وننقله إلى حوضٍ آخر، ليكون جاهزًا لعملية قولبته في قوالب محددة الشكل والحجم، لتشكيلها فيما بعد إلى الشكل الذي يريده الصانع".

وأضاف: "وبعد عملية التصنيع نفرد القطع الجاهزة على أرففٍ مخصصةٍ لها حتى تجف تمامًا، ثم نضعها بالفرن"، مبينًا أنها تبقى بالفرن ثلاثة أيام، وفي كل يومٍ تزداد درجة حرارة الفرن عن اليوم الذي سبقه".

واستطرد: "الفخار الأحمر عادةً ما يكون بلون الطين، أما الأبيض فقط أضفنا إليه الملح، أما الأسود فإننا نشعل الفرن بالمازوت أو "الكوشوك" أو الزيت، وتُغلق فتحة الوقود وفتحة المخرج من أجل التحقق أن المواد في الداخل، ويصبح الفخار باللون الأسود الذي يعشق في مسامات الفخار".

وتطرق "إيهاب" إلى مشكلةِ وجود الفرن بين الأماكن السكنية، وأن الناس تنزعج من دخانه وشكت أصحاب المصنع إلى البلدية، قائلًا: "هذا المصنع قديم ويحافظ على حرفة تراثية، وعلى الناس والحكومة والبلدية مساعدتنا على الحفاظ على هذه الحرفة لا دفعنا إلى دفنها".

وأضاف: "لا نريد أن نزعج الناس، ولا نريد أن ننقل فُرننا من هنا"، قاطعته "فلسطين" بالسؤال: "إذن ما الحل؟"، فقال: "الحل هو أن نستخدم الغاز والسولار لإشعال الفرن لا الحطب أو الجفت (نوى الزيتون)".

وبين أن قلة الإقبال والبيع لا تساعد أصحاب المصانع على استخدام الغاز والسولار في إشعال الفرن، وأنه في حال قدّمت لهم المؤسسات الحكومية والتعاونية المهتمة الدعم اللازم للحفاظ على هذه الحرفة من الاندثار؛ سيحل الأمر بتراضٍ من الأطراف جميعًا.

أصل الحرفة

إن مهنة صناعة الفخار ليست بجديدة، بل هي قديمة جدًّا ويرجع أصلها إلى العصر الحجري الحديث، الذي ظهرت فيه العديد من الصناعات الفخّارية، واستخدمها الإنسان في ذلك الوقت في مجال إعداد الطّعام وحفظه.

وحسب معلومات "إيهاب" إنها تعود إلى الكلدانيين، وهي الإمبراطورية الكلدانية البابلية العراقية الحديثة، التي أسسها نبوخذ نصر الكلدي سنة 627 ق.م، واستمر حكمها حتى سنة 539 ق.م.

لكن التاريخ يؤكد أن الخزّافين في اليونان القديمة (500 ق.م)، ومنطقة بحر إيجة اهتموا بصناعة الفخّار ذي اللّون الأحمر، مع التّركيز على استخدام مجموعةٍ من الأشكال والزخارف المتنوّعة، التي ارتبطت بتراث تلك الحِقبة الزمنيّة.

وظهرت عدّة أوانٍ فخّاريّةٍ في العصر البرونزيّ، إذ كانت تماثيلَ لزينة السُّفن والمراكب البحريّة، وفي منتصف هذا العصر ساهم الإغريق في وضع أُسس المدارس الأولى لصناعة الفخّار، خاصةً في المباني والقصور التي شهدت العديد من الأعمال التي استُخدِم الفخّار فيها بصورة رئيسة، من أجل إضافة ذلك التّصميم الفريد إليها.

وشهدت صناعة الفخّار تطوُّرًا ملحوظًا في عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة، إذ أُدخِل الزّجاج والرّصاص في صناعته لزيادة صلابة قطعة الفخّار، إضافة إلى الشكل الجميل واللون المناسب اللّذين يُضفيهما الزّجاج، خاصةً إذا خُلِط مع الطين في الطّبقات الخارجيّة.

وفي العهد الإسلاميّ ظهرت صناعة الفخار في كلٍّ من: مصر، وبلاد الشام، وبلاد الرّافدين، ومناطق الأناضول، التي شهدت منافسةً ملحوظةً مع المناطق الغربيّة والأوروبيّة في صناعته، وتحديدًا في المدة الزمنيّة الواقعة بين القرنين التاسع والثالث عشر للميلاد، إذ ظهر تأثير الفنون الإسلاميّة على صناعة الفخّار.