"أوسلو".. تشريع استهداف المقاومة بأداة "التنسيق الأمني"

غزة/ عبد الرحمن الطهراوي:

ما إن تشكلت السلطة الفلسطينية بموجب توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي سنة 1993، حتى سارعت قوى أمن السلطة إلى إثبات جديتها في تنفيذ الالتزامات الأمنية الموكلة لها، وتحديدا تلك المتعلقة بمحاولة إنهاء أعمال المقاومة في الأراضي الفلسطينية وفرض عملية "التسوية" على الفصائل.

ونَصّ البند الثامن من أوسلو على إنشاء قوة شرطية تضمن النظام والأمن في الضفة الغربية وقطاع غزة، غير أن الأجهزة الأمنية لم تقتصر على قوة واحدة بل برزت أجهزة أخرى، وذلك بعد السماح لقيادة منظمة التحرير بالدخول إلى الضفة وغزة وفق اتفاق "غزة – أريحا أولا" والموقع بمايو/أيار 1994، وتولي الرئيس الراحل ياسر عرفات قيادة السلطة حينها.

ويعد جهاز الأمن الرئاسي من أوائل القوات الأمنية التي شكلتها السلطة، أعقبه تشكيل جهاز المخابرات العامة والأمن الوطني الذي يتكون من الأمن العام والشرطة البحرية والأمن الجوي والاستخبارات العسكرية، فضلا عن تشكيل الأمن الوقائي، الذي أوكلت له مهمة ملاحقة معارضي نهج السلطة وخاصة المنضمين لحركتي المقاومة الإسلامية "حماس" و"الجهاد الإسلامي".

ويسلط التقرير التالي الضوء على الدور الذي لعبته قوى أمن السلطة المولودة من رحم أوسلو، في ملاحقة واعتقال وتصفية خلايا المقاومة الفلسطينية التي واصلت رفع السلاح في وجه الاحتلال، بعد إنهاء المواجهة المسلحة بين منظمة التحرير و(إسرائيل) وميلاد سلطة فلسطينية في الضفة وغزة وفق اتفاقية أوسلو.

ويعد "طرف الخيط" الذي قدمته أجهزة أمن السلطة للاحتلال أثناء مطاردته للشهيد أحمد جرار منفذ عملية قتل الحاخام "حفات جلعاد" قرب مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، في التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي، من أحدث الشواهد على الدور الذي تلعبه السلطة في ملاحقة المقاومين تحت مظلة التنسيق الأمني.

وبعد يوم من استشهاد جرار في السادس من فبراير/شباط الماضي، نشر الموقع الرسمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس، فيديو يلخص العملية الفدائية، جاء فيه اتهاما صريحا للسلطة بتقديم معلومات حاسمة للاحتلال عن الشهيد جرار مكنته من اغتياله بعد نحو شهر من المطاردة.

وعند العودة إلى الحلقات الأولى من مسلسل التنسيق الأمني، وتحديدا لـ 17 مايو/أيار 1996 تبرز واقعة تبليغجهاز الأمن الوقائي عن عنوان المستشفى الذي كان يتعالج فيه القائد حسن سلامة، ليتمكن الاحتلال حينها من اعتقاله بمدينة الخليل جنوب الضفة _بعد مطاردة طويلة_ والحكم عليه بالسجن المؤبد 48 مرة بتهمة الانتماء إلى كتائب القسام.

وكذلك لعب الأمن الوقائي عام 1997م دورا مباشرا في اعتقال ثم تسليم "خلية صوريف" القسامية على حاجز إسرائيلي وذلك خلال نقل أعضاء الخلية من سجن السلطة بالخليل إلى جنيد في نابلس، وعقب ذلك بأربعة أشهر اعتقلت السلطة محيي الدين الشريف، خليفة الشهيد يحيى عياش في هندسة المتفجرات، ليتعرض في سجون الوقائي لتعذيب شديد تسبب بتر ساقه ثم استشهاده.

وبعد أشهر من التعذيب في سجون السلطة عام 1998، تمكن القائد في "القسام" عماد عوض الله من الهروب من السجن في عملية اتضح لاحقا أنها كانت معدة من قبل السلطة بالتنسيق مع الاحتلال، بهدف الوصول إلى شقيقه القائد عادل، حيث غرس جهاز تتبع إلكتروني في جسد الشهيد عماد، لينجح الاحتلال بعد ذلك في اغتيالهما.

وارتفعت حدة التنسيق الأمني بعد إحكام السلطة سيطرتها الكاملة على الضفة، فحاكمت السلطة الشابين علي دنديس وعمر طه بتهمة قتل جنديين في جيش الاحتلال، ثم تمكنت قوى أمن السلطة من تصفية خلية المطارد القسامي محمد السمان، وفي 2010 اعتقلت السلطة المطارد للاحتلال أيوب القواسمي.

ولعبت السلطة دورا أساسيا في الوصول إلى منفذي عملية قتل الضابط "ساريا عوفر" في أكتوبر/تشرين الأول 2013 عندما تمكنت من اعتقال أحد منفذي العملية، ثم ساهمت السلطة في كشف خلية خطف وقتل المستوطنين الثلاثة في الخليل عام 2014 وهما الشهيديْن عامر أبو عيشة ومروان القواسمي والأسير حسام القواسمي.

وفي 2016 اعتقل جهاز المخابرات العامة التابع للسلطة، ستة شبان بتهمة التخطيط لعمليات مسلحة ضد الاحتلال في الضفة، وعلى وقع الضغوط الشعبية أفرجت السلطة عنهم ليقدم الاحتلال على اعتقالهم فورا، بينما راحت تطارد الشاب باسل الأعرج قبل أن تقتحم منزل تحصن به وسط رام الله وتغتاله.

خدمات أمنية مجانية

وتعليقا على ذلك، ذكر القيادي في حماس عبد الرحمن شديد أن اتفاقية أوسلو قائمة في أساسها على تقديم السلطة خدمات أمنية مجانية للاحتلال الإسرائيلي، من قبيل مراقبة العمل المقاوم وتزويد الاحتلال بشكل دوري بتفاصيل أنشطة المقاومين وخططهم، وصولا إلى مساعدة الاحتلال على اعتقال نشطاء المقاومة.

وأوضح شديد لصحيفة "فلسطين" أن ضحايا التنسيق الأمني، الذي شرعنته أوسلو وحاولت تجميله، لم يقتصر على نشطاء حماس فقط، بل طال كل من رفع السلاح في وجه الاحتلال وأصر على مواصلة المقاومة خلافا لنهج التسوية والمفاوضات الذي مارسته منظمة التحرير والسلطة طوال العقود الماضية.

وقال: "تعد فضيحة سجن أريحا من أبرز الدلائل على ما سبق، وذلك عندما أقدم الاحتلال في عام 2006، على اقتحام سجن أريحا التابع للسلطة، من أجل اعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات ورفاقه والمعروفين بخلية "الوزير زئيفي" إضافة إلى فؤاد الشوبكي القيادي الفتحاوي دون أي رد من قبل الأجهزة الأمنية المسيطرة على السجن".

وفي ذات السياق أضاف شديد: "لن يستطيع أحد شطب تفاصيل حادثة سجن بيتونيا 2002، عندما انسحب عناصر الأمن الوقائي من السجن تاركين بداخله ما يزيد على 30 مقاوما من كتائب القسام وسرايا القدس وكذلك من كتائب الأقصى، ممهدين الطريق أمام الاحتلال لاعتقال المقاومين".

وخلص إلى أن "مهمة تجريم وإسقاط التنسيق الأمني تقع على عاتق الكل الفلسطيني دون استثناء، والخطوة الأولى في ذلك تتطلب اعتذار رئيس السلطة عن تقديس التنسيق الأمني وفق ما قاله في أحد خطاباته، ثم الضغط باتجاه إسقاط أوسلو بكل مخرجاتها".