​اتباع "الأسوة الحسنة" مدخلٌ لرقيّ الأمم

غزة - خاص فلسطين

عادةً ما يتّخذ الفرد في حياتِه أسوةً يتّبعها ويشيد بها وبأفعالها وأقوالها، ويضرب فيها المثل وينحاز لمواقفها في كل وقت وحين، وقد يكون هذا الأسوة معلمًا أو طبيبًا أو شيخًا أو يكون زعيمًا أو قائدًا أو أبًا أو أمًّا أو أخًا أو غيرهم، فلا بد في حياتِنا من قدوةٍ نسير وفق منهجها، فنشعر حينها بالارتياح والطمأنينة والأمان، لأن التقليد سمةٌ من سمات الإنسان.

هذا ونحن نتحدث عن القدوة بمن هم حولنا ومثلنا، فما بالنا إن كنا اتّخذنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوةً حسنةً نسير وفق منهجه وسيرته وحياته؟

الكون حينها سيختلف، نظنّ الحياة ستكون شيئًا آخر غير هذه الحياة، فهل أمةٌ تتبع نهج رسول الله كأمة تتبع نهج غيره؟ ما القدوة وكيف تكون وماذا لو أننا اتبعنا رسول الله تعالى في حياتِنا؟ وكيف نضمن اتباعه والاقتداء به؟ تعرّف إلى ذلك عزيزي القارئ في التفاصيل الآتية.

يقول أستاذ الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية أ. د. نعيم الصفدي؛ إن الأسوة هي القدوة، موضحًا: "ائتس به أي اقتد به وكن مثله، فلان يأتسي بفلان أي يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي به، وكان في مثل حاله، والقوم أسوة في هذا الأمر أي حالهم فيه واحدة".

وذكر أن هناك نوعين من الأسوة الحسنة، فهي إما أن تكون مطلقة وهي خاصة بالاقتداء برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم كونه معصومًا عن الخطأ، أو مقيّدة وهي خاصة بالصالحين والأتقياء والمجاهدين والمُعلّمين والآباء ومن لهم مكانة في المجتمع.

وأفاد بأن المسلم الحقّ الملتزم الموحّد المؤمن الذي ارتضى القرآن سبيلًا له، عليه أن يسير مسيرة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وأن يقتدي بهداه، ومن يبتعد عن ذلك فإن لديه خللًا في الإيمان.

ولأن التقليد سمة من سمات البشر وهذا شيء في صالحهم طبعًا كما يقول د. الصفدي وجب على الشخص الذي يتخذ مكانًا يؤهله لأن يقتدي به الآخرون أن يكون حريصًا منتبهًا؛ وأفعاله لا تناقض أقواله، فالقدوة واجبة قبل الدعوة.

ويضيف: "إن استقامة الشيخ أبلغ من محاضراته المحكيّة، كذلك المعلم في المدارس فإن سلوكه أبلغ وأحكم من شرحه الدرس لساعات طويلة، كذلك فإن الأب وانضباطه بما يأمر وينهي أهم من كل أقواله، فليحذر كل أولئك حين يتصرفون أن يراهم الذين يدعونهم بخلاف ما يدعون إليه فالدعوة تسقط حينها".

فخر برسول الله

يتابع أستاذ الحديث الشريف كلامه: "حقّ لنا أن نفتخر ونعتزّ بأسوتنا وقدوتنا وإمامنا الذي اصطفاه الله لنا وجعله نعمة مهداة من عنده فهو الأب الحنون والمربي العطوف، يلاعب الصبي ويعلم الغلام ويلاطف اليتيم، لا ينهر أحدًا إذا أخطأ ولا يعنفه إذا أساء. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ، لِمَ تَرَكْتَهُ" -رواه الترمذي-.

ولكن كيف نقتدي برسول الله عليه السلام ونحن لم نقرأ عنه أو ندقق في سيرته، لذلك كان واجبًا علينا أن نعرف كل ما في سيرة النبي عليه السلام، يوضح الصفدي: "الصلاة فرض، لكن الصلاة لا تتم إلا بالضوء، إذًا الوضوء فرض، ماذا نستنبط؟ إذا كان الله عز وجل يبين لنا أن النبي هو قدوتنا في أفعاله، وفي إقراره، وفي أقواله، كيف يكون النبي أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته؟ لذلك لا بد من قراءة سيرة النبي حتى نتمكن أن نعرف مواقفه، وحياته في بيته، مع أصحابه، في حله وترحاله، في سلمه وحربه، حتى يطبق قوله تعالى: ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

وإننا اليوم لو أمعنا النظر في مؤسساتنا التعليمية والصحية، لو دققنا في الشارع والبيوت لوجدنا الكثير من الهموم والمشاكل والشكاوَى والاعتراضات والأحزان تملؤها، يقف الأب عاجزًا لا يدري كيف يمسك زمام بيتِه والمدرس بين طلابه غير قادرٍ على تسيير أمور صفّه، ولو أننا نظرًا بدقّة لتفاصيل حياتِنا لعلمنا كم أننا غائبون عن اتباع قدوتنا الحسنة.

ثمار القدوة الحسنة

وبين الصفدي أن "هناك العديد من العوامل البيئية التي تحول دون الاقتداء برسول الله عليه أفضل السلام، منها الخلل في التربية ووسائل الإعلام الحديثة والتكنولوجيا والتأثر بما تبثه من أفكار غريبة مسمومة، وانتشار الفضائيات بمختلف أشكالها وثقافاتها وكذلك الأصدقاء والخلان، هذه وغيرها ملهياتٌ تجعل الإنسان يحيد عن الفطرة السليمة التي تحلّى بها رسول الله، وكلها توجِد خللًا في الإيمان" حسب الصفدي.

ومن ثمار القدوة الحسنة كما يقول الصفدي، أن يعيش المجتمع في طمأنينة وأمان، لن تجد ظلمًا ولا شرًا ولا فقرًا ولا ضغينة، سنجد كل الأخلاق الإسلامية تعم الحياة وتنتشر ليحيا الجميع في سعادة، بل إن المجتمعات ستعيش الرقيّ والحضارة على أصولها، فلا رقي ولا حضارة بلا أخلاق واتباع لسنة رسول الله والاقتداء به وأفعاله وأقواله وكل ما في حياته.

مواضيع متعلقة: