​استنزاف مقابل الحصار والمعاناة

رضوان الأخرس

سبق الانسحابَ الإسرائيلي من غزة عام 2005م حالة استنزاف منظمة للمستوطنات، دفعت الاحتلال حينها إلى إعلان خطة فك ارتباط عن قطاع غزة، بعد أن أصبحت المستوطنات الإسرائيلية داخل القطاع شبه خاوية.

كانت قذائف الهاون قذائف المحلية الصنع لا تكاد تتوقف عن السقوط في تلك المستوطنات، إضافة إلى الاقتحامات والهجمات العسكرية لمسلحي المقاومة، ومنها كانت عملية محمد فرحات الذي خرج في مشهد وداع غير اعتيادي مع أمه أمام الشاشات.

وتطورت الأدوات والوسائل، إلى أن فجرت المقاومة عددًا من المواقع العسكرية والحواجز عبر أنفاق مفخّخة، وكان من أبرز تلك العمليات عملية «حاجز محفوظة أبو هولي».

نفذت تلك العمليات المركّزة بعد ضربات عديدة وجّهها الاحتلال إلى المقاومة وقادتها البارزين، ومنهم كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي قال بداية انتفاضة الأقصى: «أعطونا خمس سنوات من العمل المقاوم وسنطرد الاحتلال من غزة».

إذن، كانت المقاومة تعمل وفق إستراتيجية واضحة تستهدف نزع الأمن والطمأنينة من تلك المستوطنات، وهو العامل الأبرز الذي يدفع المستوطنين إلى البقاء، وفقدانه يعني رحيلهم، شهدت مستوطنات الاحتلال في غزة حركة نزوح جماعي في إثر تلك العمليات، قبيل إعلان الحكومة الإسرائيلية في عام 2005م انسحابها، أو ما يُسمى خطة «فك الارتباط».

هنا تتجلى حيوية فكرة المقاومة، وقد حاول الاحتلال بعد رحيله عن غزة استخدام إستراتيجية أخرى لمكافحة هذه الحيوية، تمثلت في التعامل مع غزة على أنها كيان منفصل وإغراقه بالمشكلات الداخلية والنزاعات مع المشكلات الإنسانية، وإشغاله بأوجه المعاناة الشديدة بفرض الحصار عليه.

دخول أبرز فصائل المقاومة الانتخابات، وتحمّلها الأعباء الحكومية أضعفا الحالة من جانب أو جوانب، وكان لتوفير بيئة مناسبة لعمل المقاومة دون محاربة حكومية فلسطينية أثر في تطوّر أداء المقاومة في غزة على خلاف الضفة، وما نشهده اليوم من صواريخ تضرب عمق الاحتلال على بعد نحو 150 كيلومترًا من قطاع غزة، فباتت المقاومة تشكّل تهديدًا للاحتلال، ليس فقط في محيط قطاع غزة؛ بل في كل بقعة فوق أرض فلسطين.

شكل المعركة بين الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة اختلف منذ إطباق الحصار على القطاع، فكانت على شكل مواجهات واسعة ومفتوحة في مجملها من قبيل ثلاث حروب في أعوام: 2008م و2012م و2014م، ومنذ العدوان الأخير في عام 2014م يمارس على غزة تضييق شديد على الصعد كافة.

انعكست آثار ذلك العدوان المدمّر أيضًا على الأداء الميداني لفصائل المقاومة، حتى استعادت زمام المبادرة في آخر سنتين تقريبًا، وباتت تستخدم سلاحًا فاعلًا مجددًا في مواجهة القصف والعدوان الإسرائيليين، وكان من الواضح لكل متابع لجولات التصعيد الأخيرة تطوّر قدراتها العسكرية وتطوّر أسلحتها والقدرة التدميرية لصواريخها.

مستوطنات الاحتلال في محيط قطاع غزة كانت الأكثر استهدافًا ثم استنزافًا في الجولات الأخيرة، وأيضًا استنزفها الشبان ضمن فعاليات شعبية ثورية استخدمت البالونات الحارقة لحرق المحاصيل في المستوطنات، وغيرها من الأساليب التي كان عنوانها -حسب تصريح أصحابها- وقف الاستنزاف مقابل رفع الحصار.

أدت حالة الاستنزاف إلى رحيل جماعي للمستوطنين وعوائلهم عن مستوطنات الغلاف تحدثت عنه أخيرًا القناة 13 العبرية، وحذّرت القناة من موجة هجرة، وهو ما يشبه أوضاع المستوطنات الإسرائيلية داخل القطاع قبيل الرحيل منها عام 2005م.

لا شك أن غزة تعاني أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة والتعقيد، وأن الضفة تعاني تهديدًا ومخاطر تستهدف الهُوية الوطنية الفلسطينية مع الحديث عن مخططات ضم قريبة؛ لكن الاحتلال أيضًا بفعل المقاومة يعاني تهديدات أخرى غير محدودة، واستنزافًا باتت آثاره واضحة في مستوطنات غلاف غزة.


العرب القطرية