إقرأ المزيد


​عدسته تنجذب للعيون الملونة

"أستاذ رسم" لا يقاوم طفلاً يناديه "عمو صورني"

فادي ثابت
غزة- نجلاء السكافي

قمحي اللون لا عجب أما العينان فزرقاوان صافيتان، كسماء فلسطين في هذا التموز الحارق، إنه طفل لم يتجاوز السابعة يعدو بحياء وأملٍ ثم يقولها بترددٍ: "عمو صورني"، يكون الفنان فادي حينها قد تجاوزه قليلًا بعد جولة تصوير في أحد ربوع غزة وما يفتأ يخترق الصوت حواسه قبل أن يرى جمال الطفل الذي لا يُقاوم حتى تتحرك أنامله بخفة لالتقاط صورة تبقى الأجمل.

مدرس الرسم فادي ثابت _38 عامًا_ يراه طلابه المُلهم الأول في الأفكار، وخط القلم خطوطه الأولى ليُكوّن لوحة بالغة الإبهار تضفى عليها اللمسات التلوينية الإبداعية جوًا فنيًا غير عادي بالمطلق، كيف لا وهي تخرج من أنامل معلم آمن منذ سنوات عمره الأولى أنه "شخص مختلف"، ولمّا انتقل من الرسم للتصوير جاء ذلك تلبيةً لصوت الإبداع الذي ناداه فاكتست أعماله كافه بثوب الإدهاش لاسيما أنها كان شرنقة فكرة مجنونة غالبًا.

على إيقاع الفن ابتدأ ثابت حديثه لـ "فلسطين" قائلًا: "جميع الخيوط التي تربط عناصر وأسس الفنون البصرية بشكلٍ عام هي عناصر واحدة، كالإيقاع الذي نجده في الحرف المكتوب ونجده في النحت والرسم كذلك"، وهو القائل إن التصوير جعل من عينيه "توأمي عدساتٍ" ينظر بهما للمختلف يتأمل، يبحث، ويراوغ بين دقائق الجزئيات.

يرشف قليلًا من فنجان قهوته ويعود بالذاكرة لفادي الفتى الصغير الذي عُرِف بلقب الفنان من سنواته الأولى: "الآن يوجد العديد من الفتيان في العائلة مغمورون وأكاد لا أعرف أسماءهم بينما عندما في عمرهم كان اسمي لامعًا في العائلة" ولطالما كان رجل المهمات الفنيّة الصعبة كالتخطيط والتلوين والرسم وغيرها.

لم يأتِ الاسم البراق بين لحظةٍ وضُحاها؛ بل كان لفادي ميول قوية تجاه الرسم وهو الذي بدأ يميز الألوان بتفوق عن أقرانه حتى نبغ في معرفة أسمائها تدرجاتها وتكويناتها وتمازجاتها فكانت بداية الرؤية البصرية لديه، حتى أنه لم يتجاوز الخمسة عشر عاما وكان قد رسم جميع الأهل والأصدقاء والجيران وهو الطفل دائم التجول بحيث لا تخلو جيبه من كومة أوراقٍ بيضاء وألوان.

ولم يبدُ الأمر غريبًا عندما توجه الرسام المبدع للتصوير؛ لقوله: "شغفي بالرسم هو ما دفعني للتصوير فالفنان عندما يرى صورة شخص ما مكونة من كتل ألوان وظل ونور وخطوط متداخلة فإن نفس العين التي رأت هذا المشهد للرسم هي التي سترى الكادر وزاوية التصوير فتصورها"، ومن هنا تجلى الارتباط الوثيق بين العناصر والخيوط التي تغزو الحكاية.

النجاح _والحديث لثابت_ يبزغ فجره عندما يُقيم كل منّا ثورة في عقله على الأفكار السلبية الاعتيادية، وهو يحتاج إلى الكثير من النزف وربما حروب طاحنة بينه وبين تلك الأفكار حتى يُقوّمها بأفكار إيجابية وينضم إلى ركب المُبدعين.

والمُلفت في بعض صوره الفنيّة هو التركيز على عُيون الأطفال المُلونة من الزرقاء إلى الخضراء فالعسلية، "ترى ما السبب؟"؛ يضحك من سؤالي ثم يجيب: "السرّ في التقاط الصورة هو كيفية تشكل الحالة الإبداعية فعندما يرى المصور حدثًا ما ويتأثر به بصريًا يحرك المحرض الإبداعي داخله بروحه وقلبه فيلهمه بأنامله لتشكل هذه اللوحة الصورية حتى تنتج عملًا صادقًا".

يردف وهو الذي يُقدس كل صورةٍ طاردها في الشتاء أو الحر أو الريح أو فوق برجٍ عالٍ التقطتها نبضات قلبه قبل أصابعه: "حالة الصدق في نقل المشاعر وتجسيدها عبر الكاميرا هي الحالة التي تسود وتنجح بخلاف حالات التقمص الكاذبة كسرقة الأعمال وغيرها التي تتبدد وتزول".

في لحظةٍ مجنونة بينما يحدق ثابت في فضاء غرفته اجتاحته فكرة غير عاديّة البتة، تمثلت في إنشاء معرض يضم ألف صورة من مدينة غزة، "الرقم هو الأمر الملفت في الفكرة والتساؤل عندما طرحتها كان يدور حول كيفية عرض ألف صورة مرة واحدة خلال معرض فالأمر مُكلف ماديًا ومعنويًا ويحتاج جهدا خلاقا وضخما".

لكن الفنان الذي لم يتخلَ عن أفكاره المُلهمة يومًا ما أصرّ بقوة على نجاح العمل الذي تبنته وزارة الثقافة في غزة بإشراف من وكيل الوزارة د. أنور البرعاوي وتم تنفيذها في منتصف الشهر الحالي في ميناء غزة البحري، يقول: "العمل يروي حكاية 10 سنوات من الحصار فالصور بدأت بالتسلسل ويوميًا من السنة الأولى حتى العاشرة".

وفي رسالة مُعلنة للعالم يُبدي ثابت بصوره خلال معرض "ألف صورة من المدينة المحاصرة" إظهار جمال غزة التواّقة للفرح بالشكل الذي يفهمه العالم ومن خلال عيون أطفالها الملونة، تلك العيون التي نراها تحيا بكل رفاهية في دول العالم أجمع بينما تقتلع زهرة حياتها في غزة، فكانت رسالته إنسانية تمامًا.