​"المعبر" أملها الأخير بعد "الرفض"

"إسراء".. "أمٌ مع وقف التنفيذ" بسبب السرطان

خان يونس - رنا الشرافي

هي وردة تفتح في بستان أبيها، لم تعرف في حياتها سوى دفء الأسرة وعمق العلاقات، وزيارة الصديقات والقريبات.. وردة بنفسجية كلما داعبتها الريح تبعثر عطرها ودلالها ليسطو على ألباب من حولها.

بالكاد أنهت دراستها الثانوية، وكباقي قريباتها كان الزواج أحد الخيارات الراجحة، فهذا العرف والتقليد في تلك البلدة التي تسكنها "إسراء".. كان حلمها الكبير أن ترتدي الفستان الأبيض، وأن تجلس إلى جوار فارسها في أيقونة موردة تحفها صديقاتها اللاتي سينظرن إليها بعين الغبطة أنها سبقتهن إلى عش الزوجية.

عصفورة صغيرة

زواجها لم يقضِ على طموحها، بل شجّعها عليه، فتابعت تعليمها في الجامعة، وهي الآن في السنة الرابعة، وتحديدا في الفصل الدراسي الأخير، وبعد بضعة أشهر من الآن، سوف تتحول الطالبة "إسراء" إلى حضرة المعلمة "إسراء".

هكذا.. كان الحُلم، وهذا ما تمنته أصلاً، إلى جانب أمنية أخرى دفينة، هي أمنية كل زوجة، أن تصبح أمًا، أن يأتي من يعزف على أوتار قلبها، وتهبه عاطفتها وحنانها وأجمل أمنياتها ودموعها أيضاً.

لكن هناك ما يؤرق "إسراء" فهذه العصفورة الصغيرة لم تعد مفعمة بالحياة والحيوية كما كانت، شيءٌ ما ينغص حياتها ولكن ما هو؟، "ماذا بك يا إسراء"؟ سؤال غلّف قلق إسراء وزادها توترًا، فكل من يراها يسألها نفس السؤال.

هي نفسها لا تعلم لماذا لم تعد قادرة على الضحك والمرح كما في السابق!، لماذا لم يعد لديها الرغبة في القفز!، في معانقة الحياة!، أهو بسبب تأخرها في الإنجاب؟، لكنها بالكاد تزوجت ولم يمضِ على زواجها سوى بضعة أشهر فقط ولا تزال الحياة أمامها، هي وزوجها، ليحاولا إن تعثر الأمر.

دوارٌ خفيف يباغتها بين الحين والآخر، تشعر به وقبل أن تستوعب الأمر يغادرها، وهكذا استمر الحال لفترة من الزمن قبل أن يتحول إلى صداع، بدا وكأنه صداع شقيقة مزمن، آلامه فوق احتمال تلك الزوجة الصغيرة.

آلامها جعلتها طريحة الفراش.. ظنّ الزوجان أنه صداع عابر وسيمر كما في السابق، لكنه لازمها، ولم تعد تقوى على القيام بواجباتها المنزلية ولا حتى الدراسية، ما دفع زوجها للبحث عن حل طبي لمشكلتها، فنصحه طبيب في إحدى الجمعيات الطبية بعمل صورة رنين مغناطيسي لدماغ "إسراء".

الصورة غيرت حياة "إسراء"، تلك الجميلة الصغيرة المقبلة على الحياة، كان التغيير بنسبة 180 درجة، إذ تبين أنها تعاني من ورم سرطاني في الغدة النخامية، بسببه حصل ضغط على العصب البصري وتسبب لها بالصداع المستمر.

رفض رابع

وهنا بدأت رحلة للعلاج من هذا الورم، وبناء على نصائح الأطباء سعت للخروج من قطاع غزة إلى مستشفى المقاصد في القدس المحتلة، لتجري عملية استئصال لهذا الورم، ولكن الاحتلال الإسرائيلي حال دون عودتها إلى الحياة.

رفض الاحتلال السماح لإسراء بالسفر لإجراء عمليتها الجراحية، فتقدمت بطلب ثانٍ، وتم رفضه هو أيضاً، فتقدمت بطلب ثالث أبدت فيه تقاريرها الطبية التي تؤكد على أن حالتها ملحة فجاءها الرفض للمرة الثالثة.

لم تيأس "إسراء" وأصرت على التقدم بطلب رابع، فهو بالنسبة له صراع مع الحياة، حيث يقف هذا الطلب في كفة وحياتها وأحلامها وطموحها في الكفة الثانية.. وللمرة الرابعة جاءها رفض، ولكن ليس رفضاً عاديا، بل رفض نهائي حال بينها وبين تقديم طلب جديد.

حكم الاحتلال الإسرائيلي على "إسراء" بالموت قهراً ومرضاً، بل ورفضاً لا مبرر له، سوى أنها ابنة هذا الشريط الحدودي المحاصر المسمى قطاع غزة، لا علاقة لها بالسياسة، ولكن لها علاقة، بل لها كل العلاقة، مع الحياة.

حملت "إسراء" مرتين، وفي كل مرة قبل أن تفرح بحملها تجهضه بسبب الأدوية التي تتناولها، والتي تحصل عليها بمعونة أهل الخير، للسيطرة على مرضها قبل أن ينتشر في جميع أجزاء جسدها، وهي الآن تنتظر من يساعدها في الحصول على جوازي سفر لها ولزوجها، ويغطي تكاليف سفرها عبر بوابة معبر رفح التي تعدّ المنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة خارج سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم إغلاق المعبر لفترات طويلة تكاد تجعله مغلقًا معظم أيام العام، باستثناء بعض فترات الفتح الاستثنائية بين الحين والآخر، ولأيام محدودة، فإنه يبقى أمل "إسراء" الوحيد في العودة إلى الحياة، والتخلص من المرض الخبيث الذي يؤرقها في كل لحظة، مهددًا روحها بالاختطاف.

مواضيع متعلقة: