إقرأ المزيد


أسماكٌ في مياه الصرف الصحي

غزة - أدهم الشريف

تظهر مياه شاطئ بحر الشيخ عجلين الممتد على طول الجزء الجنوبي الغربي من مدينة غزة، على غير لونها الطبيعي، بعد أن كانت تُعرف تلك المنطقة بزرقة شاطئها الجميل، واكتظاظه بالمصطافين في كل عام.

لكن هذا الجمال لم يبقَ على حاله، بفعل تدفق مياه الصرف الصحي من عدة مصبات لها فوهات واسعة، تحمل للبحر كل ما يمكن أن يثير غثيان الإنسان واشمئزازه.

حتى لون مياه الشاطئ الواسع، تحول إلى بني داكن بعد ان اختلطت به المياه العادمة، وقذفت بداخله آلاف اللترات منها.

حيث تكون "الرزقة"

هذا كله لم يدفع الصياد "م.هـ"، للتراجع عن الصيد قرب أحد المصبات الرئيسية هناك، وهو ليس بمفرده، لقد كان هناك العديد من الصيادين.

إذًا، ثمة صيادين لا يلقون بالاً أو يأبهون بمخاطر تلوث وتسمم الأسماك بفعل تواجدها في أماكن تُصرف إليها المياه العادمة في البحر.

كان يحمل شبكة "طرح"، كما يسميها الصيادون، بطريقة مخصصة لذلك قبل أن يسير إلى الشاطئ، وما إن يقترب من الأمواج المتتالية، كان "م.هـ" يفرد شبكته بقوة لتغطي مساحة دائرية قطرها يزيد عن ثلاثة أمتار.

وأحيانًا كثيرة تعلق الأسماك بشباكه، وعندها يخرج من المياه ليضعها على الشاطئ، ويحضّر شبكته مجددًا قبل أن يعود ثانية للصيد.

مع كل مرة، كان يعود للمياه، لم يبدُ عليه التأثر بشيء. كان يراقب الأمواج المتلاحقة بدقة علّها تحمل سمكة أو اثنتين أو أكثر.

"أتنقل بين أكثر من منطقة على شاطئ بحر غزة، فأينما تتواجد الرزقة (الأسماك) أتواجد أنا.." يقول "م.هـ" (23 عامًا) لـ"فلسطين"، وهو يشير بيده إلى الشاطئ مترامي الأطراف.

يبدأ الشاب عمله فجرًا، وقد يستمر إلى ما يزيد عن 10 ساعات يوميًا، لكن ظروف البحر وحجم الأسماك التي يصيدها؛ هو الذي يحدد وقت الصيد ومداه.

وتحظر لافتة كبيرة وضعتها الإدارة العامة للصحة والبيئة التابعة لبلدية غزة، السباحة والصيد في المنطقة التي كان فيها هؤلاء الصيادون، وتتوعد اللافتة "من يخالف يعرض نفسه للخطر والمساءلة القانونية".

غير أن "م.هـ"، يقول إن "الصيادين لا يلتزمون بالتعليمات، ونتواجد هنا لأن الأسماك تأتي على المجاري (الصرف الصحي)".

ويفضل بعض أصناف الأسماك مثل "البوري" العيش في مياه البحر الملوثة، إذ يجد هناك غذاءه، فيما يعتقد "م.هـ" أن هذا النوع في أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر، يكون في مرحلة تزاوج، ولا يبحث عن الطعام كثيرًا في هذا الوقت، لانشغاله، ويبقى فمه مغلقًا.

ويُعدّ البوري من أشهى الأسماك المفضلة للغزِّيين.

لهذا؛ يفضل الشاب "عبد القادر بكر"، الذي ينتمي لعائلة تشتهر بحرفة الصيد، وتسكن على مقربة من البحر، صيد الأسماك في مناطق نظيفة تبعد مسافة أميال في عمق الأبيض المتوسط الذي تفرض "إسرائيل" عليه حصارًا وتسمح للصيادين بالإبحار ضمن مسافة أقصاها تسعة أميال، وقد تتقلص هذه المسافة إلى ستة أميال أو ثلاثة، ويرتبط ذلك بمزاجية جيش الاحتلال وسلطاته.

بكر البالغ من العمر 18 عامًا، والذي ترك الدراسة منذ أن كان في الصف الرابع الأساسي، ويعمل في الصيد منذ ثماني سنوات على الأقل، مع والده، بدا رافضًا أثناء حديثه مع "فلسطين"، لممارسة الصيد قرب مصبات المياه العادمة.

"لا أعرف كيف يصيدون أسماكا في مثل هذه المنطقة، فكلها ملوثة.." يقول بكر وهو يشير بيده إلى خط سير المياه العادمة التي تدفقت من فوهة قطرها يقارب المتر، وتبعد عشرات الأمتار عن الشاطئ، وانتهت إلى شاطئ البحر حيث كان أحد الصيادين يقف ويحمل شبكته.

عادوا بعد المنع

ويقدر حجم مياه الصرف الصحي التي تسكب في البحر يوميًا بـ115 ألف متر مكعب، بحسب مدير عام حماية البيئة في دائرة سلطة جودة البيئة بغزة بهاء الأغا.

وقد تكون هذه المياه، وفقًا لما يقوله الأغا لـ"فلسطين"، إما غير معالجة، أو خضعت لمعالجة جزئية في المحطات.

ويضيف: "لو توفرت الكهرباء يتم معالجة المياه العادمة، وإن لم تتوفر يتم تفريغ الأحواض باتجاه البحر بدون معالجة".

وأنشِئت في غزة خمس محطات للمعالجة، أربع منها في غزة تصب في البحر بعد المعالجة أو بدون معالجة في حال انقطاع الكهرباء عنها، وواحدة في بلدة بيت لاهيا، شمالاً، تصب مياهها في مكان مخصص لذلك في البر، بحسب الأغا.

وكانت الإدارة العامة للثروة السمكية في وزارة الزراعة بالتعاون مع الشرطة البحرية في غزة، صادرت شباكًا لصيادين يمارسون الصيد قرب مصبات المياه العادمة، حسبما أكد لـ"فلسطين" مدير الإدارة عادل عطا الله.

ويقول الأغا لـ"فلسطين": "تمَّ منع هؤلاء الصيادين من ممارسة الصيد، وبالتوافق مع الشرطة البحرية صادرنا شباكا لبعضهم، وأعطيناهم شباكا ليمارسوا من خلالها حرفتهم في عمق البحر بعيدًا عن التلوث على الشاطئ، لكنهم عادوا مؤخرًا إلى العمل في ذات المنطقة الي مُنعوا من الصيد فيها".

ويضيف: "الصيد في هذه الأماكن ممنوع ومخالف للقانون، وسابقًا أخذنا إجراءات ضد بعض الصيادين"، متابعا: "الشاطئ حتى عمق 500 إلى 600 متر فيه مشاكل نتيجة مياه الصرف الصحي".

واستند في ذلك إلى دراسات أُعدّت حول هذا الأمر.

غير أن الصياد الهاوي، توفيق خليل الذي يعمل في منظمة دولية بغزة، يأمل بحل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن، لوقف تصريف المياه العادمة إلى البحر.

"أشعر بالخوف من الإصابة بسبب التلوث أثناء الصيد".. يقول خليل (56 عامًا)، وهو يجمع أغراض الصيد بعد أن انتهى وصاد سمكتي "بوري" قال إنه سيفطر بهما.