إقرأ المزيد


أسعد طه يحكي لـ"فلسطين" عن مغامرات نضاله

حاورته - فاطمة أبو حية

ربما لا تزال نبرة صوته عالقة في أذهان كثير من متابعيه وهو يؤكد على مسامعهم أن "كونوا على الموعد، لنحكي الحكاية من البداية"، أو وهو يخبرهم من جديد: "نقطة ساخنة، الخميس الأخير من كل شهر"، كيف لا تحفظ أذهانهم صوتًا استمروا يستمعون له على مدار سنوات، ويرقبون الحلقات واحدة تلو الأخرى، منتظرين ما سينقله لهم مقدّمها "أسعد طه" من موضوعات جديدة بكلمات تدق أوتار القلوب؟!

ربما كانت هاتان السلسلتان الوثائقيتان "يُحكى أن"، و"نقطة ساخنة" اللتان بثّتهما قناة الجزيرة الفضائية هما الأبرزين من أعمال ضيفنا، الذي حاورناه ونقلنا لكم بعضًا من ملامح تجربته الإعلامية.

هو "نضال" فلا تراجع

لم يدرس أسعد طه الصحافة أكاديميًّا، لكنه ارتكز على رغبته الشديدة بالعمل في هذا المجال الذي كان هوايته منذ الصغر، فهو اعتاد أن يمارس كل أنشطة الصحافة والكتابة والإذاعة في المدرسة منذ كان طالبًا في المرحلة الابتدائية حتى الثانوية ثم في الجامعة، يقول: "اختبرت نفسي في عدة أعمال، ولم أجد أن شيئًا في العمل يروقني مثل هذه المهنة، رأيت أن الله (عز وجل) منحني موهبة وعلي أن أحسن استغلالها".

في طفولته كانت القراءة علامة بارزة تشير إلى الصحفي الذي بداخله، أضف إلى ذلك علامات أخرى يتحدّث عنها: "حبي للحرف، ثم الشغف، ومحاولة الرد على الأسئلة التي تتدفق في مخيلتي، والبحث عن الإجابات، البحث عن الحقيقة".

أما التعلّم واكتساب المهارات فلم يتوقفا، لكنهما بلغا ذروتهما عندما عمل في تغطية حرب البوسنة، يقول: "ظني أن تجربة تغطية حرب البوسنة بين عامي 1992م و1995م كانت تجربة سخية ومميزة، لكن أيضًا انطلاقي إلى العالم الرحب بعدها خلال عملي مع قناة الجزيرة كان أيضًا تجربة سخية جدًّا، ثم إني ما زلت أتعلم، ومن قال: "قد وصلت" فقد سقط".

وفي بداياته الأولى مع العمل الصحفي كثرت محاولات طه لمراسلة العديد من الصحف ليعمل فيها دون تلقي ردود، وخاض تجربة العمل دون مقابلٍ مادي، لكن هذا لم يزده سوى استمتاع بالتجربة، ولم يسحبه إلى الوراء قط.

ويضيف: "لم أفكر قط بالتراجع، وعددتها معركة حياة أو موت، فكنت أؤمن أن النجاح مقترنٌ بقوة الإرادة، لاشك أنه لم يكن القرار سهلًا كما أتحدث عنه الآن، لكن فعلًا كنت مندفعًا جدًّا، وأمامي العديد من العقبات، لا أبالغ إذا قلت: إنني كنت أستلذّ هذا "النضال"، وكنت أثق أن الله (عز وجل) سوف يساعدني بصورة ما، كنت مندفعًا إلى حد أنني عندما بدأت أجد ردود فعل إيجابية عن كتاباتي عن المسلمين في أوربا لم يمنعني ذلك من تغيير وجهة اهتمامي إلى البلقان وآسيا الوسطى، فكان ذلك مغامرة أخرى، لكني كنت أظن أن هذا أوجب، وأن على الإعلام العربي الاهتمام بما يجري لمسلمي هذه المناطق، وهو ما تحقق لاحقًا".

كلٌّ يحب الحكاية

بعد تجاوز مرحلة البحث عن عمل لم يقبل طه فكرة "الوظيفة"، وعن ذلك يقول: "لم أعمل موظفًا في أي مؤسسة إعلامية، مع ما تؤمنه هذه المؤسسات من دخل ثابت في بداية كل شهر، كانت لي حساباتي في ذلك، الكلمة عندي لها قدسية خاصة، كنت أخاف من الخطأ الذي يمكن أن يضل الناس أو يغيب وعيهم".

ويضيف: "خفت أكثر من القيود الفكرية التي قد يفرضها أي التزام وظيفي مع أي جهة، فنعلم أن كل جهة لها ولاءاتها، فكانت صيغة العمل حرًّا تمنحني أن أقبل ما شئت مادام يتوافق مع مبادئي، وكان لي حق الرفض"، متابعًا: "كنت وما زلت أؤمن بخطوط التماس، أي أتعاون مع أي جهة فيما لا يتعارض مع ما أؤمن به، كان لذلك عاقبته على المستوى المادي، لكنني استفدت كثيرًا على المستوى الفكري تحديدًا، فأرى وأنظر وأفكر فيما حولي وأنا حرٌّ تمامًا في اتخاذ أي موقف والتعبير عنه".

الأعمال الحرة هذه بدأت بالصحافة المكتوبة ثم الإذاعة والتلفاز، وأخذ العمل الوثائقي جزءًا كبيرًا من إنتاجه، واليوم يعود طه إلى الكتابة من جديد عبر "الحكايات".

ويقول: "الإذاعة والتلفاز يتعاملان مع القضايا بسطحية نظرًا إلى طبيعة الأدوات نفسها، ففي التلفاز ليس أمامك _مثلًا_ إلا دقيقتان للتحدث عن خبر اليوم، أما في الصحافة المكتوبة فمساحة أكبر لتكتب وتحلل وتبحث وتستنتج، لكن في المقابل إن للصورة تأثيرًا لا يقاوم".

ويضيف طه: "أنا لم أقرر العودة إلى الكتابة هكذا، بل أسير وراء قلبي، وعندما شعرت بالحنين إلى الكتابة توجهت لها، وربما أعود إلى تكثيف عملي في الوثائقي، الذي أخذ وقتًا طويلًا لأني وجدت قضايا عديدة أحببت أن أوثق لها، وأن تحفظ لها مكانًا في المكتبة العربية".

ويتابع عن سلسلة "يُحكى أن" المتلفزة والمكتوبة: "للحكاية قوة ساحرة في التأثير في الناس على اختلاف انتماءاتهم وأعمارهم وجنسياتهم ومعتقداتهم، كلٌّ يحب أن يسمع للحكاية، فلما لا نقول ما نريد قوله عبر الحكاية؟".

ليس مجرد انبهار

وكما تعددت أعماله كثرت أسفاره، حتى كان لها بالغ الأثر في تشكيل شخصيته، فهي لم تكن رحلات عمل فقط، وليست مجرد انبهار بالطبيعة الخلابة والأماكن الجميلة في بعض البلدان، وإنما هي فرصة للتعلم والتفكر، وهذا ما يرى "طه" أنه يستحق أن يؤلف فيه كتبًا.

ويقول: "لو لدي وقت لألفت كتبًا في ذلك، الفضل لله (عز وجل) ثم للسفر في تشكيل شخصيتي وتطوير أفكاري، وثمة مذاق لا يشعر به إلا المسافر، إنك تسير في هذه الأرض الواسعة، تلتقي أقوامًا وأديانًا وأفكارًا وتجارب بشرية، كل ما عليك ألا تفوت مشهدًا إلا وتفكر فيه، وقد هداني الله (عز وجل) إلى مسألة التفكير فيما حولي منذ رحلاتي الأولى، فلم تكن تبهرني فقط الطبيعة الخلابة أو المنشآت الشاهقة، قدر طبائع الناس وأفكارهم وتجاربهم"، منتقيًا من بين الدول التي زارها "سراييفو" ليصفها أنها "حبّه الأول"، وليبين أن رئيسها الراحل "علي عزت بيجوفيتش" هو أكثر الشخصيات التي التقاها تأثيرًا فيه.

أصدقائي الضحايا

وخلال سنوات عمله رصد كمًّا كبيرًا من المعاناة، ونقله إلى جمهوره بكلمات تحمل وجع أصحابها الذين يتحدّث عنهم، فكيف أثّرت فيه الآلام والمعاناة؟، وما العلامة التي تركتها بداخله؟، يجيب: "أوقعت بي الأذى كثيرًا على المستوى الشخصي، الشعور بالعجز أمام ما ترى من مذابح وأذى يلحق بأبرياء لمجرد أنهم يدينون بمعتقد أو بقومية ما، لا أبالغ إن قلت: إن هؤلاء الضحايا الذين رأيتهم وعاصرت مآسيهم أصبحوا أصدقاء لي في مخيلتي، يرافقونني أينما ذهبت".

ولأنها "مهنة المتاعب" تسببت ببعض التهديدات لضيفنا، وعنها يقول: "التهديدات لها صورها المتنوعة، وأسوأ ما في الأمر أنك لا تشعر بالأمان دائمًا، مع أني على يقين بأنني لم أفعل ما يستحق هذا التهديد، لكن بعضٌ يؤذيه أن تكون حرًّا، وإن لم تفعل شيئًا حياله، هو حريص أن تكون مثله عبدًا".

ويتابع: "إذا لم تشعر بجدوى ما تفعل فما الذي سيجبرك على الاستمرار؟، إنه الشعور بأنك أديت ما بوسعك مع ما لاقيته من متاعب".

تموت في المكان نفسه

ومما تتميز به تجربة الإعلامي الكبير أن للمغامرة مساحة واسعة فيها، ولكن بعيدًا عن "الطيش"، وعن ذلك يقول: "أؤمن بالمغامرات المحسوبة، وهي التي تختلف عن الطيش، بل أظن أن الطيش هو ألا تغامر، لن يحقق السكون لك شيئًا، لا تطلب تأمين كل احتياجاتك قبل شروعك في مشروعك، سافر، ونم في الشارع، واشعر بالجوع، وابحث عن عمل، أرض الله واسعة جدًّا، كيف تقبل أن تموت في المكان الذي ولدت فيه؟!".

"ليس المهم أبعد نقطة، المهم أن أظل أعمل حتى النهاية مخلصًا لما أؤمن به"، هذا ما قاله "طه" ردًّا على سؤال عن أبعد نقطة يسعى للوصول إليها بعمله، أما النصيحة التي يحرص دومًا على ترديدها على مسامع أبنائه والخلاصة المهمة التي توصّل إليها فهي: "لا شيء بقيمة مبادئك ومثلك العليا التي يجب أن تعيش وتموت من أجلها، لا تتوقف عن العمل".

"طه" كان قد تحدث في أكثر من موضع عن حبّه لفلسطين ورغبته في زيارتها، ويختم الحوار بالقول: "فلسطين قضية أكثر من كونها مكانًا، وأراها حرة يومًا ما بإذن الله، لا يهم أي مدينة أو قرية يمكن أن أزورها، الأقصى ساكن في القلب، نعم فلسطين قضية أكثر من كونها مكانًا".

تحرير إلكتروني: فادي عبد الهادي