​انتفاضة الحجارة وزنت شعر علي

ياسر علي
غزة / بيروت - أسماء صرصور

انتفاضة الحجارة التي اندلعت في مثل هذه الأيام قبل 31 عامًا لم تقتصر فعالياتها قط على من عاشها وشارك فيها على أرض فلسطين، فكل فلسطيني أينما وجد كان له نصيب في المشاركة فيها، على اختلاف نوع المشاركة.

وهنا على صفحات "فلسطين" نعود بالزمن إلى ذكريات انتفاضة الحجارة، لكن هذه المرة مع شخص عاشها بعيدًا عن أرض الوطن، وهذا البعد لم يؤثر سلبًا على قوة مشاركته، بل قدم ما استطاع إليه سبيلًا.

الانتفاضة فكّت حصار المخيمات

ضيفنا هو ياسر علي، كاتب وصحفي وشاعر ولاجئ فلسطيني في لبنان، من قرية شعَب (قضاء عكا)، من مواليد مخيم تل الزعتر 1969م (يقع شرقي بيروت)، أسس صحيفة البراق في لبنان، وترأس تحريرها خمس سنوات، وأسس مجلة العودة وترأس تحريرها عدة سنوات، صدر له كتاب "شعب وحاميتها"، وهو عن قريته في فلسطين وعن معركة الدفاع عنها، وكتاب "المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني" عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، وكتاب "كلمات على طريق العودة"، وهو مجموعة مقالاته في مجلة العودة، ومجموعة شعرية بعنوان: "خلف أسوار الهوى".

يقول علي: "عند اندلاع انتفاضة الحجارة في عام 1987م كنت أبلغ من العمر 18 عامًا"، مشيرًا إلى أنه كان يقطن مع عائلته في بيروت، بعد خروج العائلة من مخيم برج البراجنة (من أكبر المخيمات الفلسطينية في بيروت) الذي كان يشهد حصارًا وحروبًا متقطعة، حضر منها الحرب الأولى في شهر رمضان الذي وافق أيار (مايو) 1985م.

ويشير إلى أن الفلسطينيين في الشتات كان يشعرون أن شيئًا ما سيحدث خلال الأيام القادمة إذ كانوا يتابعون كل ما يحدث على أرض فلسطين، من أخبار هروب مجموعة من الأسرى، إلى خبر استشهاد بعضهم، ثم حادث دعس العمال الذي كان الشرارة التي أكملت إشعال فتيل انتفاضة الحجارة.

وآنذاك عمّ استغراب كبير فلسطينيي الشتات، خاصة مَن بلبنان، الذين تعودوا حمل السلاح، كيف أن سلاح الانتفاضة ومواجهاتها كان فقط الحجارة، ولا شيء غيرها؟!، مبينًا أنهم أدركوا عندئذ أن عشرين عامًا بعد النكسة لم تخلق جيلًا خانعًا، بل كانت الأرض تغلي بانتظار لحظة الانفجار.

ويلفت إلى أن المنطقة التي كان يعيش فيها كانت تقع تحت حكم حركة أمل اللبنانية، التي كانت تحاصر المخيمات، وبطبيعة الحال كانت كثير من المناوشات تحصل بين شباب الحارة في شوارعها، متابعًا: "ذات يوم، في إحدى المناوشات، فصل بيننا رجل من حركة أمل، وهو يقول: (الناس بفلسطين عم بتموت، وإنتم ما خلصتم مشاكل؟!)".

كان كلام الرجل صاعقًا، وفيه تحول مهم من حصار المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى التضامن مع انتفاضة الحجارة، وما هي إلا أسابيع حتى أعلن رئيس حركة آمل آنذاك نبيه بري فك حصار المخيمات تضامنًا مع الانتفاضة.

شعارات لإعادة التضامن

وفي عام 1990م أي بعد ثلاثة أعوام على اندلاع انتفاضة الحجارة كان التضامن معها خافتًا أو معدومًا في لبنان، فعمد علي وأربعة شباب في بيروت إلى جمع المال من الأصدقاء، واشتروا بخاخات الدهان (spray)، وكتبوا على جدران المدينة طوال نهار كامل شعارات معروفة، على غرار: "الانتفاضة مستمرة"، و"ثمانية إتنعش أشعلناها بإيدينا"، ويذكر جيدًا أنهم كانوا أول من كتب "حماس ثورتي" التي نحتوها من أنشودة "حماة ثورتي" للمنشد المعروف أبي راتب.

غير أن أكثر ما يمس علي شخصيًّا هو أن انتفاضة الحجارة كانت حجر الأساس ليخرج الشعر منه، ويبدأ عهده معه شاعرًا في كثير من المواضع، وعن ذلك يقول: "الشعر كان مختزنًا بداخلي، نظرًا لحبي له ومطالعتي الشعرية، وكنت أنظم الشعر غير آبه بالأوزان".

ويتابع: "وكانت الانتفاضة هي الشرارة التي جعلتني أوليه اهتمامًا أكبر، إذ وجدتني عريفًا للاحتفالات، ثم شاعرًا فيها، ما جعلني أبذل جهدًا أكبر في الاهتمام بتطبيق العروض وبحور الشعر".

ونورد هنا مقطعًا من قصيدته الأولى الموزونة، وهي كانت عن الانتفاضة، كتبها في ديسمبر 1988م، وألقاها في حفل رابطة الطلاب المسلمين في عائشة بكار في 5-2-1989م، يقول فيها:

سنقتل كل محتلّ.. بسيف أو بسكينِ

فإن لم توجدِ الأسياف.. فبالأحجار والطين

وإن لم توجد الأحجار.. فالأظفار تكفيني

فلن تُحتلَّ أظفاري.. ولن تفنى دواويني

فإن أظفاريَ اقتُلعتْ.. تقاومهم شراييني

وإن أفكاري احتُجزت.. تُحرّقهم براكيني

فلا صلح يردّ الأرض.. لا شيء من اللين

ولا الإرهاب يرعبني..ولا التعذيب يثنيني

ولا ينسى علي التظاهرات العفوية بعد كل عملية استشهادية، وتجربة مرج الزهور، وما تعلموه من المبعدين حينما كانوا يزورونهم في منفاهم، ولا ينسى يوم جمعة صعد فيه الإمام إلى المنبر، واقتصرت خطبته على خبر مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقنوته في الصلاة، وضجيج المسجد بالبكاء ذلك اليوم، ثم خرجوا وبدؤوا التحضير لتظاهرة ضخمة في بيروت، انطلقت بعد يومين، أي الأحد، ثم تابعوا العمليات الخمس الاستشهادية الانتقامية، وكتب يومها قصيدتين: واحدة عن المجزرة، والثانية عن العمليات الخمس.

أخيرًا يبين علي أن انتفاضة الحجارة "بنت زمانها"، ولم يكن ممكنًا أن تكون مسلحة في بدايتها، وكانت تتطور بصعوبة، لكنها تلبي المطلوب وزيادة، مؤكدًا أنها كانت تجربة فريدة ورائدة في المقاومة الشعبية، والتضامن الاجتماعي، وتنسيق الفعاليات، لكن ثمن إنهائها لم يكن بمستوى الطموحات.