​أنا المجرم البريء والرهينة

قتيبة قاسم
أحد ٢٠ ٠٨ / ٢٠١٧

لم يدر في خلدي ذات يوم أن أصبح أنا المواطن الفلسطيني رهينة وورقة يلوّح بها ساسة هذا الشعب إرضاءً لغرائزهم في القهر، ولإشباع نهمهم في تسليط سيوفهم على رقابنا وإظهار سطوة القوي الحاكم الذي لا يريد لنا إلا أن نرى ما يرى، وأنا الذي ظننتُ بعد عدد من الاعتقالات والاستدعاءات المتكررة لدى الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية على مدار السنوات الأخيرة أن الأمر كان نتيجة الانقسام ردة فعل حينًا، ومناكفة أو مهاترة رخيصة حينًا آخر، أما أن يصل المشهد إلى أن يكون “صفقة تبادل” فهذا آخر ما يمكن أن تتوقعه من مشاهد الانقسام البغيض، وستضطر إلى أن تكون من المصدّقين لحدوثه، ولو بعد حين.

منذ عام 2008م سلسلة من الاعتقالات والاستدعاءات لدى الأجهزة الأمنية، والقاسم المشترك بين كل تلك الاعتقالات أنني أخرج بعد أيام بالبراءة، وإسقاط كل التهم التي تُعاد من وقت إلى آخر لأن تكون جاهزة في حلقة أخرى حسب الرغبة والطلب، وحسب الأهواء التي بات من الضرورة الحديث عنها بشكل آخر من شأنه أن يضع النقاط على الحروف، ليكون واضحًا لدى المتابع للحالة الفلسطينية مدى الهشاشة والرداءة والحزبية التي تطغى على الأقل في واقع الضفة الغربية حيث أسكن، وأدخل السجن في العام مرة أو مرتين، وأدخل السجن أو السجنين، وألتقي السّجان العربي والسجّان العبري.

قد يقول قائل: المقاومة ثمنها معروف، فما بال الصحافة باتت تنافس المقاومة، وباتت كذلك على قائمة الإجرام والمسّ بالدولة والهيبة والنظام في أقل من أن يُسمى دولة، تلك التي “بلا عضو” ولا تملك من أمرها شيئًا؟!

شهد عام 2007م بداية التحاقي بكلية الإعلام، وكان مع هذه البداية انطلاق مسلسل إلصاق تهمة العمل مع فضائية الأقصى حاضرًا في معظم الاعتقالات واستدعاءات التحقيق، الأمر الذي لا أنفيه لمجرد النفي، غير أنني لم أكن يومًا موظفًا أو عاملًا في أي فضائية، إذ لن أخجل من الإفصاح عن ذلك لو كان فعلًا؛ ففضائياتنا لديها جيوش من المراسلين والمصورين في الضفة، ظاهرين يعملون تحت الشمس لا تحت الأرض، فما بال التهمة تلاصقني وتتلبسني منذ ذلك العام حتى هذا الاعتقال الأخير (أي بعد 10 أعوام)؟!، الأمر الذي يطرح كثيرًا من التساؤلات الخطيرة عن مدى المهنية التي تتمتع بها المؤسسات التي تمسك بزمام الأمور ههنا.

والذي بدا أكثر وضوحًا وتجلّى بشكل كبير خلال الاعتقال الأخير، الذي رمى إلى إسكات الحقيقة وإخراس الصحافة، فطال عددًا كبيرًا من الصحفيين، وسيسجّله التاريخ وصمة عار في تاريخ القضية الفلسطينية ويومًا أسود في الذاكرة، إذ بدأت التهمة تسريب معلومات خطيرة إلى جهات معادية حسب وكالة الأنباء الرسمية وحسب المصدر الرفيع، ثم انتقلت صباح اليوم التالي إلى التهم القديمة المتمثلة بالعمل مع فضائيات محظورة، ثم تحوّلت في اليوم الثالث بقدرة قادر إلى إنشاء مواقع محظورة استنادًا إلى قانون الجرائم الإلكترونية، ثم أفرج عنا قبل انتهاء التمديد بيوم بعد طلب إخلاء السبيل، وانتفاء كل التهم والحصول على البراءة من لا شيء.

إن انتقال التهم وتحويرها حسب الطلب وحسب المزاج كان واضحًا منذ لحظة الاعتقال، ومنذ أن طرق جهاز المخابرات العامة منزلي الذي لم أكن فيه، وأبلغني عبر الهاتف لاحقًا بضرورة الحضور وتسليم نفسي فورًا دون إبراز ورقة النيابة، فإن ذلك كان الخرق الأول في عملية الاعتقال وقانونيته التي لا تساوي الحبر الذي كتب به الاستدعاء، ثم كان طلب النيابة العامة صباح يوم الاعتقال إمهالها 24 ساعة لحل الموضوع ودّيًّا، إذ بدأ تأكيد المؤكد استخدامنا ورقة ضغط ورهائن للنيل من حماس، وإجبارها على ما ليس لي به علاقة، مع أنني لست مضطرًّا إلى القول دائمًا: إنني ضد اعتقال الصحفيين فوق كل أرض وتحت كل سماء، وطالما قلنا إنه يجب إطلاق سراح الزميل الصحفي في القطاع، ثم انتقل الأمر إلى إلصاق تهمة كانت النيابة تتحدث عنها بأنها الأقل ضررًا، بمعنى أن التهمة اختيرت بشكل موضعي آني، إذ لا يوجد أساسًا تهمة أو شكوك أو أقل من ذلك.

ثم لم تكن التهم خاصة أو واضحة في اليوم الثالث، بل كانت فضفاضة عامة، وطالبت النيابة بسؤالي عن تلك المواقع التي يزعمون أني أنشأتها خلافًا لقانون الجرائم الإلكترونية في البند العشرين، فلم أسمع جوابًا، وكل ما في الأمر رغبة جامحة لدى هؤلاء في إنفاذ القانون كي يكون سيفًا مسلطًا على كل مخالف أو معارض، أو لاستخدامه حسب المزاج في خرق آخر متواصل لأبسط الحقوق وأدناها.

أعلمُ جيدًا أن حجم الألم الذي لا يزال يلحق بي بسبب تلك الممارسات ضدي وضد العشرات وربما المئات، طيلة تلك الأعوام، بسبب تلك الإجراءات الظالمة كان سيكون أكثر ضراوةً وقسوة، لو أن العمل بما يسمى قانون الجرائم الإلكترونية سيتواصل أو أنه سينفَّذ، القانون الذي يحمل عناوين فضفاضة تحتمل الكثير ولا تحتمل الحرية مطلقًا سيكون إيذانًا بوأد الحرية التي تنازع الحياة والموت، وسيكون رصاصة الرحمة التي ستجعل الضفة الغربية نموذجًا مصغرًا لا يختلف كثيرًا عن دول القمع المنتشرة في هذا الكون المليء بالفراعنة والأنظمة والقوانين التي _لا شك_ سترى مقالي هذا مساسًا بحقها الوحيد في القول والرأي، وتطاولًا على سيادتها وهيبتها وأمنها ومعلوماتها وإمكاناتها وقدراتها “الحساسة” كما تصرّح دومًا تلك المصادر الرفيعة.

فدون ذلك القانون منذ مطلع هذا العام استدعيت خمس مرات للمقابلة، وهذا الاعتقال الذي امتد سبعة أيام تخللها إضراب عن الطعام يومين، فما الحال فيما لو جاء القانون ليُضاف إلى تلك التهم المحضّرة مسبقًا من قبيل تعكير صفو الأمة وبث النعرات الطائفية وما هو على شاكلتها؟!، إننا أمام مفرق طرق، عناوين فضفاضة لا هدف منها سوى أن تظل تحت طائلة الاتهام ومطرقة الاعتقال والاستدعاء والهيمنة والبطش والتنكيل.

أنا المجرم البريء، أنا المتهم الذي أحفل كل يوم بتهمة، وأحفل كل يوم بقضية جديدة، أنا المجرم الذي حملت كاميرتي وقلمي وأخذت صورًا لهمجية الاحتلال، ورسمت بقلمي وكلماتي المتواضعة معركة صمود الشعب وتضحياته وملحمة الأسرى، سأظل متهمًا ما حييت، وسأظل في نظر بعض يعتاش من نبع تلك السياسات ومالها المتخثر بدم الشهداء والمتاجر بهم لستُ صحفيًّا، والسبب معروف؛ فأنا لستُ من لون ذلك الحزب ولا من لون تلك العينة التي تطبّل وتزمّر أو في رواية أخرى ”تسحّج“.

غير أني بعد قرابة ستة أعوام من الاعتقال والنقل من سجن إلى آخر لا قيمة عندي لزنزانة ”المسكوبية”، ولم تكن لتثني عزيمتي خمسون يومًا في بطنها لا أدرك الليل من النهار، ولا ذلك القبر تحت الأرض في مقر المخابرات في بيت لحم، الذي وسّدت فيه أكثر من مرة، فهذا قبر عربي، وذاك قبر عبري، ولستُ أحيا إلا في البرزخ، ولن يفعل فينا إنسان سوى إنفاذ قدر الله وقضائه المكتوب، فما للزنزانة أن تكسر مبدأ، أو تنال من ضمير يقظ ووازعٍ لا يُساوَم عليه، سيظل القلم سلاح الحر الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخشى في أن يكون مع القضية ولأجلها يقينًا أكثر من مجرد شعار، فحمل الشعارات في بلد الشعارات الرنانة، وحماية المشاريع الوطنية المتعددة بات تجارةً رابحة يقطف ثمارَها المتخاذلون والمتخمون من وراء تلك المقايضات والمراهنات.

أنا المجرم البريء، وأنا الرهينة الذي بعتُّ في سوق مهاترةٍ دنيئة أطالب بأن تُحترم إنسانيتي، وأن تُحفظ كرامتي، ولستُ أبالغ حين القول: إنني بتُّ أتمنى لو أن مستوى معاملتنا ومنطق الحرية المعطى لنا يوازي ما يناله الصحفي الصهيوني الذي يجوب ساحات الضفة ليلًا ونهارًا دون رقيب وحسيب، ودون أن يكون ذلك الصحفي “جهة معادية”.