إقرأ المزيد


إن مات أحدكم.. فلا تذكروا غير محاسنه!

غزة- فاطمة أبو حية

تكون وفاة بعض الأشخاص محل حديث المحيطين بهم، إما لأن الخاتمة كانت حسنة، أو لأن المتوفى رحل بنهاية تجعل سوء الخاتمة أول ما يفكر به الآخرون، فهل يجوز لنا الحديث عن خواتيم الآخرين؟، أم أن الأجدر بنا أن نعمل لأجل خاتمة حسنة لنا؟

طاعة مستمرة

يقول الشيخ عبد الباري بن محمد خلة: "حسن الخاتمة هو أن يوفق العبد للعبادة والطاعة ويستمر على ذلك حتى الموت، وقد جعل الشارع الحكيم علامات لحسن الخاتمة، وهي بشارةُ لمن رزقها، وهذه العلامات كرامة لصاحبها يستدل بها على حسن الخاتمة، وربما يموت المرء وهو مؤمن ولا يشعر بهذه العلامات".

ويضيف لـ"فلسطين": "وجرت عادة الكريم أن من طابت سريرته وحسن عمله، ختم له بالحسنى وحسن الخاتمة، ومن خبثت سريرته وقصر في عبادته ختم له بسوء الخاتمة"، متابعًا: "ولابد للعبد المسلم من طاعة مستمرة مع حسن النية والطوية، وعليه أن يسعى إليها وأن يشفق على نفسه من الذنوب والمعاصي، وليعتمد على الله، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه".

ويذكر من علامات حسن الخاتمة النطق بالشهادتين عند الموت، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، وعَنْ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَى عُمَرُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَقِيلًا، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا أَبَا فُلَانٍ؟، لَعَلَّكَ سَاءَتْكَ إِمْرَةُ ابْنِ عَمِّكَ يَا أَبَا فُلَانٍ"، قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَدِيثًا مَا مَنَعَنِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ إِلَّا الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا أَشْرَقَ لَهَا لَوْنُهُ وَنَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ)"، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): "إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا هِيَ"، قَالَ: "وَمَا هِيَ؟"، قَالَ: "تَعْلَمُ كَلِمَةً أَعْظَمَ مِنْ كَلِمَةٍ أَمَرَ بِهَا عَمَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ؟، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، قَالَ طَلْحَةُ: "صَدَقْتَ، هِيَ، وَاللَّهِ هِيَ".

وكذلك من علامات حسن الخاتمة _بحسب إفادة خلة_ "الموت برَشْح الجَبين"، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "مَوْتُ الْمُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ، والاستشهاد في ساحة القتال"، فعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ، يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ"، وعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟"، قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".

ويبين أن الموت ليلة الجمعة أو نهارها يدل أيضًا على حسن خاتمة المتوفى، فعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ".

ويشير إلى أن من مات غريقًا أو حريقًا أو مبطونًا فهو شهيد، والمرأة النفساء كذلك، وأشياء أخرى ذكرها النبي (صلى الله عليه وسلم) من أنواع الشهادات، كل ذلك من علامات حسن الخاتمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟"، قَالُوا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، قَالَ: "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ"، قَالُوا: "فَمَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، قَالَ: "مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ".

ويقول خلة: "إذا رأى مسلم من ميت خيرًا أو علامة من علامات حسن الخاتمة؛ يستحب له أن يذكر ذلك لمن يشاء، حتى يحث الناس على الطاعة والاقتداء بهذا الميت، أما إن رأى منه سوءًا أو سوء خاتمة فلا يذكر ذلك لأحد إلا على سبيل الموعظة وبإبهام الاسم؛ فإن ذلك يؤذي الأحياء، فعَنْ عَائِشَةَ (رضي الله عنها) قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)".

وقد ورد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه) قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه): "مَا وَجَبَتْ"، قَالَ: "هذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ".

مواضيع متعلقة: