​أمٌ خانها البحر.. وقلبُها تعلَّق بقشة "سوروكا"

غزة - رنا الشرافي

لم ينتظر تقديم الامتحان الأخير، فهو يريد أن يعانق البحر، أن يلثم ماءه المالح، أن يتنفس أصدافه ومحّاره، أن يخوض أطرافه، أن يرنو بناظريه إلى حيث الأمل والحرية والفضاء اللامحدود.

"منذ متى وأنت تعرف السباحة يا همام؟" سأله أحد الأصدقاء، فأجابه: "غطسة واحدة فقط"، وابتسم خجلاً لأنه لا يعرف كيف يخوض غمار هذا العملاق المائي الكبير – بحر غزة- وهو الجبهة الوحيدة التي لن ترى خلفها سياجا يذكرك بحصار وفاقة قطاع غزة.

قلوب مندفعة

"إذًا، موعدنا الخميس".. اتفق الأصدقاء على زيارة البحر بعد أن يقدموا امتحانهم – قبل الأخير- لنيل شهادة الصف الثاني ثانوي، وهو آخر عام للمرح، فالعام المقبل سيكون محفوفًا بالتوتر والقلق من نتائج الثانوية العامة.

في الموعد المحدد خرج الرفقة إلى القدر المحتوم.. جلسوا إلى البحر يطالعون تلك المياه المتلألئة بسبب انعكاس أشعة الشمس، فهذا الوقت – شهر أيار- أفضل أوقات السنة للسباحة، وهو يسبق موسم مهاجمة القناديل لشواطئ غزة.

واصل أصدقاؤه الحديث، بينما بقي "همام" يحدق في المياه وكأنها تناديه، فاستحث الرفقة لدخول البحر.. وبالفعل؛ استعدوا جميعاً وغادروا الشاطئ متجهين نحو الداخل، تلك اللحظة التي غيرت حياة "همام" رأساً على عقب، بل إنها غيرت حياتهم جميعاً.

تقدموا في البحر قليلاً.. كانت المياه فاترة، والجو دافئ، أما السماء فكانت صافية، والريح خفيفة، والقلوب مندفعة!!، أغرتهم المياه الراكدة، فتقدموا أكثر فأكثر وتراشقوا الماء فيما بينهم، قفزوا ولعبوا وتنافسوا.. تلك اللحظات سيحفظها التاريخ كما حفظتها الذاكرة.

وفي غمرة انشغالهم.. أحد الرِفقة نزل إلى الماء ولم يخرج، مرت دقيقة، ودقيقتين، وخمسة، عندما تنبه له الأصدقاء وسارعوا إلى إنقاذه، وأخرجوه إلى الشاطئ، وهناك حاولوا انعاشه من خلال عملية التنفس الصناعي لكنه بدا لهم وكأنه قد فارق الحياة أو يكاد.

سارع الرفاق بنقل "همام" إلى المستشفى وهناك استقبله أحد الممرضين وقبل أي تدرج في الخطوات كان لازما عليه أن يأخذ قرار.. صعقة كهربائية لعلها تعيد ذلك الجسد إلى الحياة، وهو ما قام به بالفعل لكنها لم تأتِ بنتيجة.

بلا حركة

وجاء أحد الأطباء محاولاً المساعدة وإنعاش ذاك الجسد.. محاولات طبية متكررة ومكثفة استطاعت أن تحافظ على نبض "همام"، ولكن حياته وعدمها سواء، فهذا الشاب اليافع الذي كان جسده يضج بالحياة والحيوية أصبح مشلولاً عديم الحركة بالكامل.

لا تعرف والدة "همام" إن كان ابنها الذي يبلغ من العمر الآن 21 عاماً يستطيع رؤيتها أم لا.. عيناه مفتوحتان ولكن لا استجابة فيهما، كما أنه فقد النطق، وفقد القدرة تماما على القيام بأي حركة.

كيف يأكل "همام" وهو عاجز حتى عن مضغ طعامه؟، سألت والدته فأجابت: "أطحن الطعام باستخدام الخلاط وأدفعه في فتحة موصولة بمعدته"، أما عن مواصفات طعامه فقالت: "هو من طعام المنزل فقط أخفف له الملح وأتجنب الفلفل حتى لا يصاب بالتهاب البول".

ومع ذلك فإن حاسة السمع لا تزال الحاسة الوحيدة التي هي بحالة جيدة، فوالدة "همام" تلحظ أنه يسمع جيداً، وأنه ينتبه للأصوات التي لم يسمعها منذ مدة مثل صوت عمته عندما تأتي لزيارته، فما إن يسمع صوتها حتى تتسع حدقة عينه فتفهم والدته أنه انتبه للصوت الجديد.

وقالت: "أيضا هو يخاف في حال وجود صوت مرتفع بجانبه، وهذا ما يزيد يقيني بأنه يسمع جيدا، فآتي للجلوس إليه وأحدثه بما أقوم به وعن أقاربنا والجيران حتى أُسليه ويبقى على علم بما يدور في الدنيا حوله".

لغة التواصل بين "همام" ووالدته هي الدموع، والدموع فقط، فبكاؤه المتواصل يكون لحالتين فقط، إما الضجر، وإما الألم، وهنا تبدأ والدته بالتحدث معه، أو تقلب جسده المشلول على الجانب الآخر.. هذه حياته.

تنقل "همام" بين المستشفيات في قطاع غزة، بل إنه مكث أيضا بضعة أشهر في مستشفى الوفاء للمسنين ولكن دون نتيجة، عن تلك التنقلات يقول والده الذي يعمل بائعا على بسطة في سوق دير البلح: "سعيت لعلاجه وكلما سمعت عن طبيب اصطحبته إليه".

وأضاف: "عانى همام كثيرا، وبعض المراكز الصحية كانت المنوم لا الدواء، وهكذا أمضى فترة من الزمن حتى نصحني أحد الأطباء بإعادته إلى المنزل، وقال لي هذا الطبيب: (عوضك على الله فيه)".

وتابع: "قبل بضعة أشهر علمنا بوجود جهاز لضخ الأوكسجين في الدماغ في مستشفى (سوروكا) في الداخل المحتل، والدته شاهدت تقريرًا تلفزيونيا عن الجهاز، ومنذ تلك اللحظة لم يهدأ لها بال، تريد أن تذهب بابننا إلى هناك، ولكننا لا نستطيع الحصول على تحويلة علاجية".

وطالما أن التحويلة غير متاحة، فماذا لو كان العلاج على نفقة الأهل؟ الأمر أيضا غير ممكن لأسرة محدودة الدخل، لا أمل في علاج الابن إلا بالحصول على تحويلة أو بيد خير تُمدّ له بتكلفة العلاج.

قلب والدة همام –وهو أوسط اخوته- يرفض الإذعان لرأي الأطباء بأن الأمل مفقود من شفائه، ترعاه في مأكله ومشربه ومنامه وتقلباته وحتى تغسيل جسده، وهي قادرة على خدمته الآن ولكن ماذا عن مستقبل هذا الشاب؟، وما هو مصيره بعد والدته؟.. سؤال لا توجد لدي إجابة عليه، فهو في علم الله سبحانه الذي خلقنا وخلق "همام" وأدخله في هذا الاختبار الصعب هو ووالديه.