​ترامب تابع لما قبله

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright

موقع عربي21

دخل الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب التاريخ كشخص أحال قوة عظمى كثيرة الحلفاء، إلى بلد انفض عنه أصدقاؤه التاريخيون، وصار يعوِّل على توابع ينقصها الوزن الدولي، ذلك أنترامب لا يريد أن تتعامل معه دولة ما، أو رئيس دولة ما من موقع الندية، ومع هذا يبقى الفرق بينه وبين من سبقوه إلى البيت الأبيض من رؤساء، أنه يلعب على المكشوف وبفظاظة، بينما كان أسلافه يمارسون الوصاية على البلدان الحليفة والأليفة بأسلوب ناعم، لأنهم كانوا يدركون أن سمعة بلادهم في الحضيض في أركان الدنيا الأربعة، بعد أن ضُبطت بالجرم المشهود في عشرات الدول، بينما يعرف ترامب أنه "ليس بعد الكفر ذنب"، لأن سمعته كانت ولا تزال سيئة بمقاييس الأخلاق حتى في لاس فيغاس عاصمة الفجور.

أول بلد حاق به غضب ترامب كان المكسيك، حيث أعلن ترامب أنه سيبني سدا يمنع المكسيكيين من دخول بلاده، وإمعانا في احتقار أهل المكسيك، قال إنهم سيتحملون كلفة بناء السد الفاصل بين البلدين.

كان ترامب في ذلك يمارس استعلاءً أخف وطأة من الذي مارسه الرئيس الأمريكي جيمس بولك، عندما شن حربا على المكسيك (1846-48) انتزع خلالها كاليفورنيا وأريزونا ونيو مكسيكو وأوتاوا ونيفادا وضمها إلى بلاده، وتم لاحقا ضم تكساس الى الولايات المتحدة، وبعد تلك الحرب لم تخص الأخيرة قط حربا في التراب الأمريكي أو جواره.

ثم جاء الدور على كوريا الشمالية وإيران وروسيا وأخيرا تركيا، وهي جميعا دول ترفض تماما دخول بيت الطاعة الأمريكي، وذلك ما يجعلها مستحقة للغضبة الترامبية.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، صارت الولايات المتحدة القبضاي الدولي: ترتب الانقلابات العسكرية واغتيال الزعماء الأجانب المغضوب عليهم، وتتدخل برا وبحرا وجوا بآلتها العسكرية الضخمة في عمليات غزو واحتلال مكشوفة، إما مساندة لديكتاتور محلي، أو لتنصيب ديكتاتور محلي، ومع هذا فلا تكف الدوائر الحاكمة الأمريكية عن تذكير العالم بـ"القيم الأمريكية السامية"، التي جعلت من الولايات المتحدة أيقونة الحريات والحكم الديمقراطي.

وبلغت الصفاقة بالرئيس الأمريكي الأسبق بلبل كلينتون (البلبل لا يعرف الوفاء تجاه أنثى واحدة)، أنه رصد ذات عام خمسة وعشرين مليون دولار لنشر الديمقراطية في العالم العربي، بواقع مليون وبضعة آلاف لكل دولة، وهو مبلغ لا يكفي لإجراء انتخابات في أحد أندية الدرجة الأولى العربية لكرة القدم، وبالتالي فإن ذلك المبلغ المالي لم يكن سوى رشوة علاقات عامة لتبييض وجه بلاده.

هناك في عالم اليوم تسع وأربعون دولة مصنفة على أنها تخضع لحكم ديكتاتوري، من قبل منظمات مدنية تنادي بالحريات والحكم الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، وتقدم واشنطن لِسِتٍ وثلاثين منها (أي 73% من إجمالي الديكتاتوريات القائمة) معونات عسكرية، على نفقة دافع الضرائب الأمريكي

كانت أول مرة تجرب فيها الولايات المتحدة حظها في تدبير انقلاب عسكري انتصارا لطاغية مستفرد بالحكم، في عام 1953 عندما دبرت انقلابا ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الذي رفض البقاء تحت حذاء الشاه محمد رضا بهلوي، ثم زودها حبتين بأن أمم صناعة النفط في إيران، والتي كانت قبلها خاضعة لسيطرة بريطانيا، فكانت فرصة الولايات المتحدة لتعزيز سياستها الرامية للحلول محل الاستعمار التقليدي، بعد أن أجبرت المتغيرات دولا أوربية مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال، على التخلي عن مستعمراتها في أفريقيا وآسيا.

بعدها بسنة واحدة جاء الدور على الرئيس الغواتيمالي جاكوبو آربنز، الذي كانت خطيئته تطبيق الإصلاح الزراعي، ما استوجب نزع أراض شاسعة كانت مملوكة لـ"يونايتد فروت كمباني"، وهي الشركة الأمريكية التي كانت تحتكر تجارة الفواكه، وعلى وجه الخصوص الموز، وتصديره إلى الولايات المتحدة (ومن نشاط تلك الشركة، ونجاحها في إسقاط وتشكيل الحكومات في أمريكا الوسطى، جاءت تسمية بلدان تلك المنطقة بجمهوريات الموز).

وفي عام 1960 أظهر أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو بعد الاستقلال- باتريس لوممبا- رغبة في تخليص بلادهمن نفوذ بلجيكا التي كانت تستعمره، وتحرير مناجم الذهب واليورانيوم من قبضة الشركات البلجيكية، ولما شن البلجيكيون وأذنابهم المحليون الهجمات المسلحة على القوات الموالية للخط الاستقلالي، لم يجد لوممبا مناصا من طلب السلاح من الاتحاد السوفييت، فكانت القاضية، حيث كلفه ذلك حياته، وآلت مقاليد الأمور بعد تقلبات توالت سريعا، إلى موبوتو سيسيكو، الذي ارتضى العمالة المكشوفة لواشنطن.

ولعل أبشع أشكال التدخل الأمريكي في شؤون الدول النامية كان مسرحه فيتنام، حيث مولت المخابرات المركزية الأمريكية انقلابا أطاح برئيس حكومة فيتنام الجنوبية عام 1963، وظلت بعدها تأتي بهذا وذاك لرئاسة حكومة ذلك البلد، الذي صار بالفعل خاضعا لسيطرة واشنطن السياسية والعسكرية، وإذا أفادت سجلات وزارة الدفاع الأمريكية أن 85220 جندي أمريكي لقوا مصرعهم وهم يقاتلون ثوار فيتنام، فلك أن تتخيل حجم الوجود العسكري هناك ما بين 1965 و1974.

وإذا كانت شركة الفواكه الأمريكية هي عراب التدخل الأمريكي في غواتيمالا، فإن شركة الاتصالات الأمريكية العملاقة إيه تي آند تي هي التي أقنعت المخابرات المركزية بضرورة الإطاحة بالرئيس التشيلي المنتخب سلفادور أيندي في عام 1973، صاحب الاجندة الاشتراكية، والذي كان ضمن وعوده الانتخابية تأميم قطاع الخدمات الاستراتيجية في بلاده، فكان أو أوكلوا للجنرال أوغستو بينوشيه استلام السلطة، فكان أكثر الانقلابات والحكومات دموية في تاريخ أمريكا اللاتينية (أكثر من أربعين ألف قتيل)

ودعمت الولايات المتحدة أنظمة ديكتاتورية وانقلابية في بنما وهندوراس ونيكاراغوا والدومينكان وهاييتي، ولكن ما من ديكتاتور حظي بمساندة أمريكية للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، إلا وباعته واشنطن عندما انقلبت الموازين لغير صالحه بصورة تستعصي على الاحتواء.

وقد عجز الكثير من القادة العرب عن استيعاب حقيقة أن واشنطن، ومهما طأطأوا أمامها، ورهنوا مقدرات بلدانهم لتعزيز مصالحها، تتعامل معهم كما يتعامل زير النساء مع العشيقة، التي تظل "محظية" طالما هي حسناء "معطاء"، وإذا شاخت أو مارست الدل فالباب يفوت جمل، بينما رباط واشنطن مع إسرائيل كاثوليكي لسبب بدهي وهو أن نظام الحكم فيها مستقر، ولا يخضع لأهواء فردية، وليس عرضة لهبة شعبية تطيح به، ولأن إسرائيل قوة إقليمية عظمى حقيقة، ليس بموجب محتوى ترسانتها وعديد دباباتها وطائراتها، ولكن بقدرات جيوشها القتالية.