​من وحي هجرة النبي حصار غزة إلى زوال

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright

لا تغيب عن أذهان المسلمين تلك الحقبة الصّعبة التي عاشها النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - ومن آمن بدعوته منذ فجر البعثة النبويّة في مكّة المُكرَّمة، حيث يستذكرون دائماً حجم المعاناة التي واجهها النبيّ الكريم، وصحبُه الأوائل آنذاك، وتحتشد المواقف في ذاكرتهم وهم يستعرضون تضحيات النبيّ عليه السّلام والصّحابة الكِرام أمام ظُلم المشركين من قريش، وهم يصدّونهم عن دعوة التوحيد ويُحاربونهم بكلّ بَطش وجبروت، وتظهر أمام كلّ تلك الآلام قصص البطولة، ومشاهد التّضحية في سبيل إقامة الدِّين، ونشر الهداية في العالمين.

"فلسطين" هاتفت د. ماهر السوسي الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية لتتعرف منه أكثر على الدروس والعبر المستفادة من هجرة النبي – صلى الله عليه وسلـم.

الهجرة لنشر الإسلام

د. السوسي قال: "ينبغي أن نبين أن النبي ما هاجر من مكة إلى المدينة إلا بعد أن ضاقت به مكة بسبب انقباض المشركين عليه وعلى من معه من المسلمين، فلا يستطيع الوصول إلى أبعد من مكة؛ لذلك هاجر الرسول".

وتابع: "والسبب الرئيس لهجرته هو إيجاد أرض يمكن للإسلام أن يتحرك من خلالها إلى جميع الناس", مشيرًا إلى أن الله أرسل الرسول للناس وأمره أن يبلغ دعوة الاسلام للناس جميعهم دون استثناء، حيث قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".

ولفت إلى أنه يتبين لنا أن كل صاحب حق يدعو إلى الفضيلة والقيم العالية دائماً يُحارَب, فأول موقف يدل على ذلك أن المسلمين اليوم محاربون في كل مكان فكرياً ومادياً والشاهد على ذلك الحروب التي تجري في كل من (سوريا وليبيا والعراق و باكستان واليمن وفلسطين وغيرها..).

وأضاف: "هذه الحروب الفكرية والنفسية التي تشن على المسلمين باتهامهم أينما كانوا بكل بقاع الأرض بإثارتهم للفتن, وما ذلك إلا لأنهم أصحاب مبدأ وعقيدة ويحملون منظومة تحرر البشر من أهوائهم وشهواتهم فما حدث مع الرسول يتكرر مع المسلمين اليوم.

وشدد على أنه علينا أن ننتبه إلى أنه طالما أننا كلفنا بتحمل رسالة الله والعمل بها؛ فهذا يعني أننا سنحارب من أجلها وسنعد ونؤقلم أنفسنا ونتحلى بالصبر كما قال الله عز وجل في كتابه: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ".

التخطيط الجيد عامل مهم

وذكر د. السوسي بعضًا من مواقف الهجرة التي يمكن أن نستفيد منها في حياتنا, مثل: تخطيط الرسول للهجرة، "والذي يلفت انتباهنا للتخطيط المحكم الذي قام به الرسول للهجرة من مكة إلى المدينة دون كشف أمره من قبل المشركين"، وهذا يدل على أهمية التخطيط لأي عمل يريد الإنسان القيام به, فمن مظاهر التخطيط للرحلة التعتيم عليها لكي لا تكشف.

كما تحدث عن خروج الرسول وقت الظهيرة وهو وقت كان لا يخرج فيه أحد بسبب شدة الحر وتوجهه إلى أبي بكر الصديق ليبلغه بالهجرة وأنه اختاره صاحبًا له في هجرته, واللافت هنا سؤال الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما ذهب لأبي بكر عن ما إذا كان يوجد أحد في بيته وهذا يدل على الحيطة والحذر التي كان يراعيها الرسول في تحركاته.

وبين السوسي أن من مظاهر التخطيط الجيد أيضاً اختيار طريق الخروج من مكة إلى المدينة،حيث اختار الطريق الذي سيسلكه الرسول برفقة أبي بكر والدليل المشرك الذي اختاره الرسول ليكون عارفًا بالطرق الرئيسية التي يسلكها النبي, وعملية التعمية وكيف كانت تنتقل أخبار قريش وعملية البحث عن الرسول.

وتابع: "حيث اختار عبد الله بن أبي بكر ليستمع إلى أخبار قريش ويخبر بها الرسول ويعلم ما يتآمرون به ثم يأتيهم في المساء ليخبرهم بما يتآمرون, كي يخطط الرسول كيفية حركته وخروجه من الغار".

وأشار إلى أن النبي هاجر بطريق معاكس بدلًا من أن يتجه باتجاه المدينة مباشرة، اتجه بانعكاس حتى لا يبحث عنه المشركون, وتخطيطه لتغطية آثار أقدام أسماء وأخيها لكي لا يجده المشركون، متحدثًا عن دور أسماء بنت أبي بكر بنقل الطعام للرسول وهنا إشارة ودلالة على مشاركة المرأة بالأحداث الخطيرة والعظيمة.

الوفاء بالوعد ضرورة

وذكر د. السوسي بعض المواقف الغريبة والتي تعتبر بمثابة معجزات للرسول بعيداً عن الغار ووقوف مشركي مكة جانبه وصرف الله أنظارهم عن هذا الغار, وما حدث له في الصحراء وسلك طريقها حين لحقهم سراقة بن مالك وهو أحد الأشخاص الكثيرين الذين كانوا يبحثون عن الرسول للفوز بالجائزة التي وضعتهاقريش لمن يحضر الرسول لهم, فانتبه الرسول إلى سراقة وهو يسير خلفهم فانغرست قدما فرسه في الوحل، فطلب من الرسول أن يدعو الله لينجيه مما هو فيه على أن يرجع عنهم ويعمي عنهم الطلب فدعا له الرسول ثم قال له:" فكيف بك اذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه, فقال سراقة: كسرى بن هرمز؟ فقال الرسول: نعم".

هنا توقف عند وعد الرسول، فالرسول هارب من مكة وكل قريش تبحث عنه ورغم موقفه العصيب لكنه بالمقابل واثق ومتمكن ل

ذلك وعد سراقة ووفى بوعده وكان ذلك بوحي من الله.

وقال: "بهذا نتأكد بأن الله وعدنا بالنصر، وأن هذا الحصار والتشرد والجوع والفقر الذي يعيشه الناس اليوم يجب أن لا يصيبنا بالإحباط، وأن نبقى واثقين بالله عز وجل وبوعده, فالله وعدنا بهذا النصر للمسلمين والأجر والثواب للصابرين, فنحن أيضاً مطالبون بنصرة الله عز وجل والعمل بمقتضى كتابه وهدي نبيه فإن فعلنا ذلك فالنصر حليفنا رغم الضعف والحصار".

وأكد د. السوسي أنه حتى وان كان المسلمون أمة ضعيفة إلا أنه ينبغي أن نثق بنصر الله كما كان رسولنا الحبيب واثقا بفتح بلاد فارس وهزم الحضارة التي كانت تتربع على سلم المجد في

ذلك الوقت.

وقال د.السوسي: "الإنسان الحر الكريم هو الذي يوفي بما وعد وهذا يدل على أنه إنسان ذو مصداقية عالية ووفاء عظيم؛ كما فعل الرسول في هجرته، حين حرص على إنصاف كل الناس, وعدم التمييز أو التفرقة بينهم".

حيث اجتمع أهل المدينة عند وصوله, فكانت كل قبيلة تريد أن ينزل النبي لديها، لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال عن ناقته: "دعوها، فإنها مأمورة، ثم خرجت به حتى جاءت به باب أبي أيوب الأنصاري فاستناخت به، فأتاه الناس، فقالوا: يا رسول الله المنزل، فانبعثت به راحلته، فقال: دعوها فإنها مأمورة، ثم خرجت به حتى جاءت به موضع المنبر فاستناخت به ثم تحللت".

وهنا بين لهم الرسول أن الأمر ميسر له وليس باختياره وأن الله هو من اختار أن ينزل، وهذا الموقف فيه دلالة على أن المسلم ينبغي أن يكون فطنًا، وضرورة اجتماع كلمة الناس.

وقال د.السوسي: "نلاحظ على المسلمين اليوم تشتت صفهم وتعدد آرائهم، وهذا يؤدي إلى ضعف صفهم وعدم قدرتهم على حمل ما كلفهم الله به، فنحن بحاجة إلى توحد الكلمة والصف حتى ننهض ويكون لنا دور في بناء الحضارة".