​كثرة الكتب وقلة العلم

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright

وهذا مما نحياه من كثرة الكتاب والمؤلفين, وظهور العلم, إلا أن العلم يقل مع مرور الزمن, إلى أن يقبضه الله تعالى بقبض أهله, فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول": "من أشراط الساعة: أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد".

ففي آخر الزمان يقل العلم, وفي نهاية الأمر يُرفع القرآن الكريم, فلا يبقى له وجود لا في السطور ولا في الصدور, فعن بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع"، قالوا: وكيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال: "يُسرى عليه ليلة فيذهب ما في قلوبكم وما في مصاحفكم"، ثم قرأ: [وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ] {الإسراء:86}.

إن أثر ابن مسعود فيه الإخبار عن غيب، لا يقال إلا بتوقيف, فبهذا يظهر لك معنى قول من قال من السلف: "القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود" .

ومن وسائل ذهاب العلم: التماسه عند الأصاغر, وقد حدث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم, فعن أبي أمية اللخمي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أشراط الساعة ثلاثة: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر", وفيه "أن العلم إنما يُؤخذ عن الأكابر تلميحًا", وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبيل الكبير تابعه عليه الصغير.

وكثرة الكتابة لا تتعارض مع قلة العلم, فعن عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة، ويظهر العلم، ويبيع الرجل البيع فيقول: لا حتى أستأمر تاجر بني فلان، ويلتمس في الحي العظيم الكاتب فلا يوجد", قال ابن عبد البر: "فشو القلم فإنه أراد ظهور الكِتاب وكثرة الكتاب".

(وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ): الظاهر أن المراد به علم الدنيا، ويؤيّد هَذَا ما وقع بلفظ: "ويظهر القلم" بالقاف، فإن ظهور القلم إنما يكون بسبب انتشار العلم الدنيويّ، كما هو المشاهد الآن، ولا تنافي بينه وبين حديث أنس رضي الله عنه...فإن المراد به العلم الديني، فالناس جهلاء فِي أمور دينهم؛ لبعدهم عنه، علماء بأمور دنياهم؛ لانهماكهم فِي حبّ الدنيا، وانشغالهم بها.

وفي الحديث "ظهور وسائل العلم، وهي كتبه، وقد ظهرت في هذه الأزمان ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهل في الناس، وقل فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسنة والعمل بهما، ولم تغن عنهم كثرة الكتب شيئًا".

وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم