بقع دماء و"سترة".. ذكرياتٌ ترافق والدة المسعف "أبو حسني

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright

تحتفظ شفاء أبو حسنين (60 عامًا)، والدة الشهيد المسعف موسى أبو حسنين، ببقعٍ من دمائه المتناثرة على شالٍ ترتديه منذ رحيله، وسترة "دفاع مدني" كان المسعف يرتديها بعلامةٍ ولونٍ واضحين تضمن له -حسب القوانين الدولية- عدم التعرض للقتل، إلا أن ذلك لم يتحقق يوم 14 مايو/ أيار المنصرم، حين باغتته قناصة الاحتلال الإسرائيلي بطلقاتها النارية.

في كل جمعة من جمع مسيرة العودة وكسر الحصار قبالة السياج الفاصل، شرق مدينة غزة، تتزين والدة موسى بما تبقى من ذكرياته، مصممةً على المشاركة والسير في الطريق الذي سلكه "فلذة كبدها" شهيداً، مدافعاً عن وطنه، مسعفاً ضحاياه.

تعلق على صدرها صورة جمعتها به كان قد التقطها "سلفي" بهاتفه المحمول، في ميدان مسيرة العودة، قبل استشهاده بأيام.

تستذكر ذات يوم، حينما وصلت إلى المقبرة الشرقية بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، فاجأته من الخلف مداعبةً إياه واحتضنته، التفت إليها وابتسم لزميله في "الدفاع المدني"، قائلاً: "أمي قيادية، أتت إلى المنطقة الصعبة قبلنا"، وطلب منه التقاط آخر صورة جمعته بوالدته، والتقط صورة "سلفي" معها بهاتفه الشخصي، قائلاً "ربما تكون هذه الصورة ذكرى".

وثقت الصورة المعلقة على صدرها، لحظات فرح، سبقت عاصفة حزن استقرت في قلبها، ستبقى تلك اللحظات التي عاشتها والدة موسى تذكرها به طيلة حياتها، بعدما أصيب بطلق ناري أطلقه قناص إسرائيلي شرق مدينة غزة، أسفل البطن.

تنظر إلى بقع الدماء وهي تحمل رداءها بين يديها الذي أصبح شاهداً على ما حدث قائلة: "ستبقى هذه الدماء تذكرني بذلك اليوم، بعد إصابة موسى، كنت أصرخ أبحث عمن يسعفه حتى استطاع شابان مساعدتي في نقله للمشفى بعد نصف ساعة من الإصابة، لكن كانت الدماء تنزف واستشهد على إثرها".

سيذكّرها الرداء كثيراً بتلك اللحظات التي كانت فيها تحتضن نجلها بين يديها، وهو ممدد على الأرض تحاول أن تطمئنه بأنه سيتعافى، لكن الدماء واصلت النزيف وصبغت جزءاً من الرداء، "كان يفتخر بأن أمه تأتي وتشارك في مسيرات العودة، واليوم أفتخر بكل ما قدمه من تضحيةٍ بنفسه؛ لإنقاذ أرواح المصابين" تقول.

تتأمل والدة موسى صورة "السلفي" المعلقة على صدرها، وكأنه شريط أعاد تقليب الأحزان في ذاكرتها لما حدث معها، ورغم تلك الحسرة تكمل بنبرة حزينة "سأبقى أرتدي هذه الثياب لأسير على درب ابني المسعف، وليرى العالم الجريمة التي ارتكبها جنود الاحتلال بحقه، بقتله وهو يقوم بتأدية واجبه الإنساني في إسعاف المصابين".

سترة "الدفاع المدني"، ستذكّرها كذلك بتفاني ابنها في عمله بإسعاف المصابين وإجلائهم من أمام جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، يسعف شاباً من رصاصة، يتنقل بين صفوف المتظاهرين ويرش وجوههم بالمحاليل التي تخفف من احمرار العيون وآثار قنابل الغاز السامة والمسيلة للدموع، وآخرين يرتقون بين يديه.

تمسك طرف سترة ابنها التي ترتديها، قائلة: "سأبقى أشتم رائحته بهذه السترة، وسأستمر بارتدائها خلال مسيرات العودة، وهي رسالة للعالم بأن الاحتلال يستهدف المسعفين دون خجل أو رادع".

مسعف مجتهد

تفتقد والدة موسى، ابنها الشهيد الذي غاب عن منزلهم، وبقي طيفه يذكرهم في استقباله للأعياد، وجمعه لأفراد العائلة وحبه للأطفال، لا تنسى ما كان يقوله لها: "حينما أراكِ بمسيرات العودة أشعر بسعادة وراحة"، ستبقى تلك الكلمات تقلب الجرح في قلب والدته وهي تذهب كل جمعة إلى مسيرات العودة وحيدةً دون نجلها.

غابت الضحكة التي رسماها في صورة "السلفي"، فأحدهما سرق الاحتلال عمره، والآخر انتزعت رصاصات الاحتلال ابتسامته "وفلذة كبده" واستبدلتها بجرح غائر وحسرة على الفراق، حيث أمّ عاشت اللحظات الأخيرة في حياة ابنها تشاهد دماءه تسيل وتنزف حتى ارتقت روحه، لتبقى تلك التفاصيل تتجدد دون توقف.

يقطر صوتها بالحزن "دمه، رائحته، هي حلم حدث وانتهى، لكنني لا أستطيع نسيانه وسيبقى يرافقني إلى الأبد".

ولدى المسعف أبو حسنين أربعة أطفال، هم: زيد (9 سنوات)، يارا (7 سنوات)، لارين (4 سنوات)، وغيث (3 أشهر)، وكان قد تعرض لثلاث إصابات قبل استشهاده، حيث أصيب عام 2008 حينما كان يسعف المصابين بأحد المواقع الشرطية المستهدفة، واستؤصلت بعض أجزاء بطنه، وركبت له شبكة بلاستيكية.

وأصيب في قدمه بعدة شظايا أثناء محاولته إسعاف مصابين خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012، وفي العدوان الإسرائيلي عام 2014 تعرض لإصابة في قدمه.