الشهيد "محيسن".. ودع أهله ليواجه الاحتلال "من نقطة صفر"

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright

ذهب إلى الحلاق ثم عاد لمنزله وارتدى أجمل ملابس في خزانته، قبل أن يخرج بابتسامة ملأت وجهه الأبيض وعينيه الخضراوين، ليتجه صوب أصدقائه مداعبًا إياهم بأنه سيقيم حفل زفاف كبير يدعو إليه الجميع، ولكنها ساعات قليلة تلك التي فصلته عن الشهادة، فتحققت أمنيته بإقامة مهرجان كبير له احتفالًا بالشهادة أمام منزله في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

هو الشهيد محمد محيسن (29 عامًا)، كان أمنيته دائمًا أن ينال الشهادة، ومع عدم معرفة أي من أهله بذهابه الدائم إلى منطقة المواجهات مع الاحتلال شرق غزة؛ كان في الأسبوع الأخير دائمًا يضفي عليهم وداعه الدافئ، وأمنيته بإرضاء الجميع قبل الشهادة.

تقول شقيقته الوحيدة مريم لصحيفة "فلسطين": "قبل أسبوع من استشهاد محمد كان يحدثنا عن بطولات الشهيد إبراهيم أبو ثريا، وأنه التقاه في مكان المواجهات".

وتضيف: "قبل استشهاده بيومين اتصل بي وأخبرني أنه سيأتي في زيارة إلي يوم السبت، وقال: "سامحيني؛ فأنا لا أستطيع اشتراء هدية كبيرة لكِ"، عاتبته وقلت له: (ماذا تقول؟!، لا أريد منك شيئًا، فقط أريد أن أراك)".

كانت مريم تتحدث وكأنما ترى آخر لقاء جمعها بشقيقها بأم عينيها: "في اليوم التالي اتصل ليؤكد الموعد، وطلب مني أن أطلب من أخي الأصغر أمجد أن يسامحه، بعد اختلاف بسيط في الرأي بينهما".

اتصالات كثيرة

"في الأسبوع الأخير له قبل الاستشهاد كان يتصل بي أكثر من ثلاث مرات يوميًّا ليطمئن على أحوالي، كنت أستغرب كثرة اتصالاته وأحاول إقناع نفسي بأنه بخير وأنه وضعه طبيعي، حتى إنه كان يذهب إلى والدتي ويطلب منها الرضا" تواصل حديثها.

قبل يومين من استشهاد محمد ذهب إلى بيت خالته، وطلب منها أن تُعد له حلوى "الغريبة" كي يتناولها، وقال لها: "إذا استشهدت فاصنعيها ووزعيها على روحي".

تضيف شقيقته: "كان يقول لوالدتي: "إذا استشهدت أو حدث لي شيء؛ فاملئي المنزل بالأطفال وعلميهم حتى يكونوا ونسًا لكِ عندما أذهب"، وفي يوم الجمعة قبل يدها وطلب منها أنه تسامحه، وغادر المنزل بلا عودة".

ترك محمد قبل مغادرته المنزل كل شيء كان معه، ووضع هاتفه النقال وهويته على سريره، وفي الشارع قابله أحد أقربائه، فقال له: "ما كل هذا الجمال يا محمد؟!"، فأجاب: "بالله ما أنا عريس؟!".

وتتابع: "كان محمد مصطحبًا الكوفية، لكنه أخفاها في ملابسه حتى لا يراها أحد، مشى طويلًا حتى وصل إلى المنطقة الشرقية حيث المواجهات، وعندما رأى أحد الشباب أصيب في قدمه ولم يستطع الإسعاف الدخول إليه؛ ذهب هو وحمله بسرعة وأوصله إلى الإسعاف، ثم عاد مرة أخرى إلى المكان نفسه".

الشهيد كان معروفًا بهدوئه واتزانه (والكلام لا يزال لأخته) لكن داخله كان ثائرًا لا يخاف، ووصل إلى نقطة الصفر مع جنود الاحتلال حيث قذفهم بالحجارة أكثر من مرة.

جنود الاحتلال قابلوا هذا الشاب الأعزل بالرصاص، فاستقرت إحداها في صدره، وبعد نصف ساعة استطاع الإسعاف انتشاله، لكنه استشهد في الطريق إلى المستشفى.

تستذكر مريم مناقب أخيها قائلة: "كل من يعرف محمد رأى فيه طيبة القلب والمسامحة، إلى درجة أنه قبل أسبوع من استشهاده ذهب إلى بيوت أقاربه وطلب منهم السماح، قائلًا: "آسف، لو أخطأت في حقكم"، مع أنه لم يفعل شيء يستحق الأسف".

وتختم: "الحمد لله، كانت أمنية محمد الشهادة، فنالها".