​بين قلقيلية ونابلس

أمام مستوطنات تترامى يُمنةً ويُسرة يبتلع المارون الغصة

قلقيلية - مصطفى صبري

ولا من باب التجربة.. لا يود أحد أن يعيش ما يحياه المسافرون امتداداً من قلقيلية وحتى مدخل مدينة نابلس الغربي حيث المستوطنات تنتشر بشكلٍ مهول، فمنذ بداية عهد الاستيطان في الضفة الغربية في أواخر السبعينيات من القرن الماضي تتوزع عشرات المستوطنات في أراضي محافظة قلقيلية؛ حتى بات المسافرون من موظفين وطلبة جامعات ومتسوقين لا تفارق أعينهم بوابات المستوطنات وسيارات المستوطنين التي تشاركهم الطريق بكثافة لا يألفها المرء مهما يمر الزمان.

يبدو عصام نزال وهو طالب في جامعة النجاح قد وصل به الألم حد التشبع؛ والذي يحاول التعبير عنه بالقول لــ "فلسطين": "منذ خروجي من قلقيلية وبالقرب من المدخل الشرقي تتصدر المستوطنات المشهد؛ فمستوطنة تسوفيم تظهر وكأنها مدينةٌ ممتدة يخرج منها المستوطنون باتجاه "معبر الياهو" القريب من الجهة الجنوبية، ومن ثم أمرّ بمستوطنة "الفيه منشه"؛ وبعد عزون تمتد مستوطنات أخرى منها "قرنيه شمرون" و"جينات شمرون" و"قصر زوهر" الاستيطاني ثم تأتي بعدها مستوطنة قدوميم وبؤرة جلعاد؛ في أرضٍ هي في الأصل أرضنا تذوب كل العناوين الفلسطينية بمرارةٍ وأسف، إلى درجة أنه لو جاء زائرٌ من الخارج فإنه لن يُصدق أنه يسير في أرضٍ فلسطينية"؛ يكفي أن أقول بأن مروري من هنا يغضبني من واقع ظالم".

في حين يضطر المهندس ياسر جعيدي - وهو صاحب شركة للهندسة للسفر- أسبوعياً إلى نابلس عدة مرات؛ يقول في هذا: "تلك المستوطنات تلغي بلا هوادة كل ما هو فلسطيني على الصعيد الجغرافي والتاريخي وحتى اليافطات الإرشادية عندما تطالعها على الطريق الرئيس بين قلقيلية ونابلس تظهر بأحجام كبيرة؛ فيما عنوان التجمع الفلسطيني يكتب في ذيل اليافطة؛ أما المستوطنة أو المدينة المحتلة المراد الذهاب إليها من قبل المستوطنين تكتب في أعلى اليافطة المرورية وبشكلٍ يجعلني أتميز من الغيظ".

ومما يلفت نظر جعيدي أن ما أسماه بــ "التزاحم الاستيطاني" يتمدد بشكلٍ يومي؛ موضحاً مقصده: "هذا ما نلمسه عندما نشاهد أعمال التوسعة باستمرار؛ فمستوطنة "ألفيه منشه" اقتربت من الشارع الرئيس بين قلقيلية ونابلس بشكل لافت؛ ويمكن مشاهدة المنازل بتفاصيلها من داخل المركبة؛ وكذلك مستوطنة تسوفيم وفي منطقة القرنين تبدو الصورة أوضح حين نرى اقتراب شوارع المستوطنة تكاد تلاصق الطريق الرئيس".

وأكثر ما يؤلم فؤاده قرب أسيجة منازل المستوطنات من مسجد قرية النبي إلياس، وكأنه افتراس بطيء لكل ما هو فلسطيني.

ويرى الموظف غسان أبو اسنينة أن الاستيطان بطبيعته يأخذ الصفة العنصرية القائمة على شطب الأصل ليحل بشكل وقح مكانه، يبدو متأثراً وهو يفصح عن شعوره: "عندما أشاهد المستوطنات ومركبات المستوطنين من نافذة سيارتي أود لو أبقي عينيّ مغمضتين، ويؤلمني أكثر أن أرى بالقرب من بوابة مستوطنة "قرنيه شمرون" عشرات العمال يصطفون قبالتها في انتظار مشغلّيهم لنقلهم داخل المستوطنة؛ مشهد متناقض كهذا يزيد من الغصة والوجع؛ فنحن نحارب الاستيطان وعلى أرض الواقع نعمل داخل المستوطنات كي نوفر لقمة العيش".

وأكد أن خطر المستوطنين تجاوز الحدود ليهدد حياة الضفيين؛ مشيراً إلى أن تنفيذ عملية وإصابة مستوطنين فيها من شأنه أن يحوّل الطرقات ومداخل البلدات إلى مسرحٍ انتقامي، وحينها يسير المواطن في حقل أشواك لأن جيش الاحتلال يحرس المستوطنين الذين يستوحشون في عدوانهم.

ويبتسم أبو سنينة ساخراً من مرارة لا تحتمل: "نعيش في بحر من الاستيطان، وإذا استمر الوضع هكذا سيحدث تطهير عرقي ناعم لكل الفلسطينيين، فقرانا وتجمعاتنا تُحاصر فيما هم يتحركون بسهولة وحراسة أمنية على مدار الساعة".

مواضيع متعلقة: