أم عاصف حكاية النصر للحاضر والجيل القادم

وليد الهودلي
الجمعة ٢٢ ٠٢ / ٢٠١٩

عندما تغرق الشمس في البحر ونرى كيف يلتهم البحر كل هذا النور الذي ملأ ما بين المشرق والمغرب, ندرك قسوة هذه الظلمات التي لا تبقي ولا تذر، أم عاصف شمس أغرقوها في ظلامهم أسدلوا عليها كل ستائرهم، خرج قلبها من صدرها وعصفت بهم من خفقاته عاصفة اجتاحت كل تفاصيلهم. لم تواجه الاعتقال من قبل ولكنها كانت تغرق بكل تفاصيله، صبرت صبرا جميلا, فراق الزوج الطويل وعلى فترات متعاقبة، ثم فراق الولد الذي لوّع قلبها طويلا. لم تكن المسألة سهلة: تفرغ من زيارة الزوج بعد صبر عقود مديدة ذاق فيها الأمرين على بوابات السجون السوداء ومعاملاتم النكدة ثم تبدأ من جديد مع ولدها عاصم، باختصار كانت من مسافري سفينة مرمرة التي استمرت فيها قرابة ثلاثة عقود، ثم كان لقلبها أن تسافر مع ولدها عاصم كما كانت مع زوجها.

وينطلق الرصاص الأسود ليصيب فلذة كبدها صالح، هذا القرة عين لها، المصدر الأعظم لسعادتها يلتهمه غول الاحتلال ويلقي به جسدا بلا روح.. بين عشية وضحاها تفتقد روح روحها وتظلم الدنيا في وجهها، هذه المرة ألقى الاحتلال بكل ثقله اللعين على روحها، أطلق كل أحقاده دفعة واحدة ،فتح مخازن ذخيرته وصب رصاصه فوق راسها، لم يكتف بقتل حبيب روحها واعتقال زوجها بل جاء على العائلة كلها، تناوشها من كل أركانها، يا الهي مصيبة واحدة من هذه تكاد لا تطاق، كيف بكل هذه المصائب: اعتقال كل الأبناء بالاضافة إلى من استشهد واعتقلت جثته، لم يتبق أحد ليفتح البيت للناس المواسين والمؤازرين، وتأتي أخبار اعتقال عاصم الذي كوى وعيهم وأثبت أن الفلسطيني هو الأعلى بكل حالاته.

جاء دورها بالاعتقال ليثبتوا مرة ثانية أنهم أبدا لن يكونوا في يوم من الأيام مهما بلغت قوتهم أنهم الأعلى، لا يتوقف اجتياحهم لهذه العائلة العظيمة ليصلوا إلى مصنع الرجال، إلى الأم التي أرضعت الأبطال، لأول مرة يصغر هذا الكيان ليصل إلى حشرة لا وزن لها ولا قيمة، أصغر من ذبابة أمام صبر امرأة فلسطينية رأسها شامخ في السماء وأصلها ثابت في هذه الأرض المباركة، ترتجف لها أوصالهم وترتمي قلوبهم تحت أقدامها.. ابتسامتها الجبارة رغم كل ما حدث تضيء زنازينهم بنور وجهها وتشعل النار في قلوبهم.

هم فقط يتفنّنون في صنوف العذاب ومرمرة هذه المرأة المنكوبة، يعملون ما يليق بأحقادهم وهي تدق مسامير في نعش جنازتهم فقط بابتسامة ونظرة ترسل من خلالها مشهد نهايتهم.

أم عاصف حكاية للحاضر والجيل القادم، أم عاصف تشكل روحا فلسطينية خالدة تنزرع في قلب كل من سمع بها. أم عاصف خنساء متجددة تلد لهم ألف خنساء قادمة، من شذى قلبها تنتشر روح الانتصار فينا وتنتفض إرادات الرجال القادمة على بساط رياح النصر القادمة، لن يستسلم شعب فيه أم عاصف وفيه مثل هذا العائلة المجاهدة المثابرة، فيها نائل وعمر وعاصم وروح الشهيد صالح الذي لا يموت أبدا.